دخلت فنلندا مع بداية عام 2025 مرحلة جديدة في التعامل مع قضايا الهجرة والاندماج، وذلك من خلال إصلاح شامل لقانون الاندماج المعروف اختصارًا باسم KOTO24. هذا القانون لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من التحديات والنقاشات التي صاحبت مسيرة المهاجرين في البلاد خلال العقود الماضية. لقد أدركت الدولة أن النموذج السابق لم يعد كافيًا لمواكبة التغييرات السريعة في سوق العمل والمجتمع، وأن المهاجرين يحتاجون إلى مسارات أكثر وضوحًا وسرعة ليصبحوا جزءًا فاعلًا في المجتمع الفنلندي. منذ صدور أول قانون للاندماج عام 1999، كانت الفكرة الأساسية هي مساعدة الوافدين الجدد على التكيّف مع الحياة في فنلندا عبر دورات اللغة وبعض الخدمات البلدية. لكن مع مرور السنوات، ظهرت عيوب كثيرة، أبرزها البطء في تنفيذ البرامج، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وغياب خطة فردية لكل مهاجر تراعي احتياجاته الخاصة. ورغم تعديلات عام 2011 التي هدفت إلى تعزيز مشاركة المهاجرين في سوق العمل، إلا أن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب. تقارير رسمية أشارت إلى أن نسبة كبيرة من المهاجرين ظلّت خارج سوق العمل لسنوات طويلة، وأن النساء بشكل خاص واجهن صعوبات مضاعفة في الانخراط في الحياة العملية والتعليمية.
في هذا السياق جاء قانون KOTO24 الذي سُمّي بهذا الاسم اختصارًا لكلمة Kotoutuminen أي "الاندماج"، وإشارة إلى العام الذي دخل فيه حيّز التنفيذ. الإصلاح الجديد ركّز على ثلاثة أهداف رئيسية: تسريع تعلم اللغة الفنلندية، تحسين فرص الدخول إلى سوق العمل، وتقديم دعم أكثر تخصيصًا للفئات الأكثر عرضة للتهميش مثل النساء والشباب.
من أهم ما جاء به القانون الجديد أنه جعل لكل مهاجر خطة اندماج فردية يتم إعدادها منذ الأيام الأولى لوصوله أو حصوله على الإقامة. هذه الخطة لا تقتصر على دراسة اللغة فقط، بل تشمل أيضًا التدريب العملي، والدراسة الأكاديمية، وأي خطوات أخرى تساعد الشخص على بناء مسار واضح نحو الاستقلالية. وبهذا الانتقال من النماذج العامة إلى النماذج الفردية، تسعى السلطات إلى جعل عملية الاندماج أكثر واقعية وقابلية للقياس. جانب آخر مهم هو رفع الحد الأدنى لساعات دراسة اللغة الفنلندية. في القوانين السابقة، كان بعض المهاجرين يحصلون على 40 أو 60 ساعة فقط من التعليم الأساسي، وهي مدة غير كافية لتعلّم لغة جديدة صعبة كاللغة الفنلندية. أما في القانون الجديد فقد تم تحديد 70 ساعة كبداية إلزامية، مع إمكانية زيادتها حسب حاجة الفرد. هذا التغيير يعكس إدراك الدولة أن اللغة هي المفتاح الأساسي للاندماج، وأن الاستثمار في تعليمها يعود بالفائدة على المهاجر والمجتمع معًا. إضافة إلى ذلك، جاء القانون ليعطي مرونة أكبر في الجمع بين تعلم اللغة والعمل. ففي السابق كان على المهاجر أن يختار بين متابعة دورة لغة أو الانخراط في وظيفة، مما كان يبطئ مسار اندماجه. أما اليوم، فقد أصبح ممكنًا الجمع بين الاثنين عبر برامج مزدوجة تسمح بالدراسة والعمل في وقت واحد. هذا التوجه يُنظر إليه كخطوة عملية لتسريع الاندماج، إذ يتعلم المهاجر اللغة في بيئة طبيعية أثناء العمل، بدلًا من الاكتفاء بالدروس النظرية.
كما منح القانون اهتمامًا خاصًا للنساء اللواتي بقين لسنوات خارج سوق العمل بسبب التزامات أسرية أو نقص الفرص. تم تصميم برامج مرنة تراعي احتياجات الأمهات مثل الدورات الجزئية أو التدريب عن بُعد، لتسهيل دخولهن إلى التعليم والعمل. كذلك أولى القانون الشباب المهاجرين تحت سن الخامسة والعشرين أهمية كبيرة، إدراكًا أن إدماج هذه الفئة مبكرًا يساهم في تجنّب مشاكل البطالة والتهميش لاحقًا. التغييرات لم تتوقف عند الأفراد، بل شملت أيضًا دور المؤسسات. البلديات أصبحت تتحمّل مسؤولية أكبر في متابعة مسار الاندماج محليًا، بعدما كان الدور مركزيًا إلى حد كبير. الهدف من ذلك هو تقريب الخدمات من الناس وتكييفها مع واقع كل منطقة. غير أن هذا التوجه يثير أسئلة عن مدى استعداد البلديات بالموارد البشرية والمالية اللازمة، خاصة في ظل تفاوت قدراتها من مدينة إلى أخرى. إذا قارنا بين القانون القديم والجديد نجد اختلافًا جوهريًا في عدة نقاط. فبينما كانت خطة الاندماج في السابق عامة ومتشابهة للجميع، أصبحت اليوم فردية ومبنية على احتياجات كل شخص. عدد ساعات اللغة ارتفع وأصبح أكثر إلزامًا، والجمع بين الدراسة والعمل صار ممكنًا. أما دعم النساء فانتقل من كونه أمرًا ثانويًا إلى أولوية صريحة. كذلك تحوّل دور البلديات من الهامشية إلى المركزية. من حيث الفئات المستفيدة، فإن نطاق القانون واسع ويشمل طالبي اللجوء الذين حصلوا على إقامة، والمهاجرين لأغراض العمل، والعائلات التي جاءت عبر لمّ الشمل، إضافة إلى الطلاب الدوليين الراغبين في البقاء في فنلندا بعد إنهاء دراستهم. كل هؤلاء سيخضعون لنظام جديد أكثر تنظيمًا وتخصيصًا، ما يمنحهم فرصًا أفضل للنجاح. لكن رغم الطموحات الكبيرة، يطرح القانون تحديات عديدة. فالموارد المتاحة لتطبيق هذه البرامج تبقى موضع شك. هل يوجد ما يكفي من معلمي اللغة لسد حاجة آلاف المهاجرين؟ هل البلديات الصغيرة قادرة على توفير نفس الجودة من الخدمات التي يمكن أن توفرها المدن الكبرى؟ وهل ستكون هناك عدالة في توزيع الفرص بحيث لا يستفيد فقط أصحاب المؤهلات الأعلى بينما يبقى الآخرون في الهامش؟ هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة، وسيكشف التنفيذ العملي عن الإجابة.
الجمعيات المهاجرة رحّبت بالقانون الجديد من حيث المبدأ، واعتبرته خطوة إيجابية نحو إدماج أسرع وأكثر فاعلية. لكنها حذّرت في الوقت نفسه من خطورة ربط الدعم المالي بالالتزام بالخطة، إذ قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في المتابعة لأسباب خارجة عن إرادتهم مثل المرض أو الظروف العائلية. الباحثون أيضًا أبدوا ملاحظات مشابهة؛ فهم يرون أن زيادة عدد الساعات أو وضع الخطط الفردية لا يكفي بحد ذاته، بل يجب أن يكون هناك تركيز على جودة التعليم والتدريب، وعلى دعم المعلمين والمؤسسات المنفذة. على الصعيد الأوروبي، يمكن القول إن فنلندا تسير في اتجاه مشابه لجيرانها مع بعض الخصوصية. ففي السويد مثلًا تستمر برامج اللغة لسنوات طويلة لكنها مكلفة جدًا على الدولة. وفي الدنمارك، هناك نظام صارم يربط الحصول على الدعم الاجتماعي بتحقيق تقدم واضح في تعلم اللغة. أما فنلندا فتحاول الموازنة بين هذه النماذج عبر الجمع بين المرونة والصرامة، بحيث يحصل المهاجر على فرص حقيقية للتعلم والعمل، لكن مع التزام واضح بمسار الاندماج. يُعتبر قانون الاندماج الجديد KOTO24 محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين المهاجر والدولة في السنوات الأولى من الإقامة. نجاحه يعتمد على عنصرين أساسيين: مدى قدرة السلطات على توفير الموارد وتنفيذ البرامج بجودة عالية، ومدى استعداد المهاجرين أنفسهم للانخراط الفعلي في هذه العملية. بالنسبة للكثيرين، قد يكون هذا القانون فرصة لبداية جديدة في بلد يحتاج إليهم بقدر ما يحتاجون إليه.
