في السنوات الأخيرة لم تعد الحكومات الأوروبية تنظر إلى التعليم باعتباره نشاطاً يمكن أن يتوقف مؤقتاً ثم يعود إلى طبيعته بعد انتهاء الأزمة، بل أصبح يُعامل بوصفه إحدى الخدمات الأساسية التي ينبغي أن تستمر حتى في أصعب الظروف. وقد أظهرت جائحة كوفيد-19، إضافة إلى الأزمات الأمنية والاضطرابات التقنية والكوارث المختلفة، أن غياب إطار قانوني واضح قد يضع المؤسسات التعليمية أمام قرارات متباينة، ويؤدي إلى تفاوت كبير في قدرة الطلاب على مواصلة دراستهم. وفي فنلندا، يبدو أن هذه التجارب دفعت الحكومة إلى مراجعة عدد من القوانين التعليمية بهدف بناء إطار تشريعي أكثر استعداداً للمستقبل. ولهذا نشرت وزارة التعليم والثقافة عبر منصة Lausuntopalvelu مشروع قانون لإجراء تعديلات على قانون التعليم المهني وعدد من القوانين المرتبطة به، وفتحته للتشاور العام حتى نهاية يوليو/تموز 2026 قبل إحالته إلى البرلمان. ولا يقتصر المشروع على قانون التعليم المهني وحده، بل يشمل أيضاً قانون التعليم الثانوي العام، وقانون امتحان الثانوية، وقانون التعليم التحضيري المؤهل للدراسة، إضافة إلى قوانين أخرى ذات صلة. والجامع بين هذه التعديلات هو إنشاء قواعد قانونية واضحة لتنظيم العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية وحالات الاضطراب، بحيث تستطيع المؤسسات التعليمية مواصلة عملها ضمن إطار قانوني موحد عندما تتعرض البلاد أو أي منطقة فيها لظروف غير اعتيادية. ومن المهم التوقف عند طبيعة هذه الوثيقة. فما نشرته الوزارة ليس قانوناً نافذاً، وإنما مشروع قانون يخضع حالياً للمشاورات العامة. ويعني ذلك أن جميع الجهات، من المؤسسات التعليمية والبلديات والهيئات المهنية إلى المواطنين، تستطيع تقديم ملاحظاتها قبل أن تُصاغ النسخة النهائية التي قد تُرفع لاحقاً إلى البرلمان لمناقشتها واتخاذ القرار بشأنها. هذا المسار يعكس الطريقة المعتادة لصنع التشريعات في فنلندا، حيث تسبق عملية إصدار القانون مرحلة واسعة من جمع الآراء وتقييم الآثار المتوقعة، بما يسمح بإدخال تعديلات قبل وصول المشروع إلى السلطة التشريعية.
عندما تصبح استمرارية التعليم جزءاً من الأمن المجتمعي
يرتكز مشروع القانون على فكرة محورية، وهي أن التعليم لا ينبغي أن يتوقف بمجرد حدوث أزمة عامة أو اضطراب كبير في المجتمع. ولذلك يقترح المشروع إضافة أحكام جديدة إلى قانون التعليم المهني تسمح بتنظيم الدراسة حتى في الظروف الاستثنائية وحالات الاضطراب، مع وضع قواعد واضحة لكيفية استمرار تقديم التعليم في تلك الحالات.
وفي الوقت نفسه، يقترح المشروع إلزام الجهات الخاصة التي تنظم التعليم بإعداد خطط للاستعداد المسبق، بحيث لا يقتصر الاستعداد على السلطات العامة وحدها، وإنما يمتد أيضاً إلى المؤسسات التعليمية الخاصة. وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان أن يكون لدى جميع الجهات المنظمة للتعليم مستوى مناسب من الجاهزية قبل وقوع أي أزمة، بدلاً من الاضطرار إلى اتخاذ قرارات مرتجلة عند حدوثها. ولا يتحدث المشروع عن نوع واحد من الأزمات، بل يستخدم إطاراً عاماً يشمل الظروف الاستثنائية والاضطرابات التي قد تؤثر في قدرة المؤسسات التعليمية على أداء عملها بالشكل المعتاد. وبهذا يمنح التشريع المستقبلي أساساً قانونياً يسمح بتنظيم العملية التعليمية بطريقة متناسقة عندما تستدعي الظروف ذلك. كما يمتد المشروع إلى امتحان الثانوية الفنلندية، حيث يقترح إضافة قواعد تسمح بتنظيم الامتحانات أيضاً في الظروف الاستثنائية، بحيث لا تبقى هذه الامتحانات خارج إطار الاستعداد الوطني، بل تصبح جزءاً من منظومة متكاملة تشمل مختلف مراحل التعليم. ومن زاوية أوسع، فإن المشروع يعكس تحولاً في النظرة إلى إدارة التعليم. ففي السابق كانت كثير من التشريعات تُبنى على فرضية أن الظروف الطبيعية هي القاعدة، وأن الأزمات حالات نادرة. أما اليوم، فتسعى الحكومة إلى إدخال مفهوم الاستعداد المسبق داخل القانون نفسه، بحيث تصبح آليات التعامل مع الأزمات جزءاً من النظام التعليمي وليس استثناءً خارجياً. وهذا يعني أن الإصلاح لا يهدف إلى تغيير مضمون التعليم المهني أو تعديل برامجه الدراسية، وإنما إلى تعزيز قدرة النظام بأكمله على الاستمرار عندما يواجه المجتمع ظروفاً غير اعتيادية.
لماذا يهم هذا المشروع الطلاب والمؤسسات التعليمية؟
قد يعتقد البعض أن هذه التعديلات تخص الإدارات الحكومية فقط، لكن أثرها المحتمل يمتد إلى الطلاب والمعلمين والمؤسسات التعليمية على حد سواء.
فوجود قواعد قانونية واضحة يحدد منذ البداية كيفية استمرار الدراسة عند وقوع اضطرابات كبيرة، ويقلل الحاجة إلى حلول مؤقتة تختلف من مؤسسة إلى أخرى. كما يساعد المؤسسات التعليمية على الاستعداد المسبق من خلال التخطيط والتنظيم بدلاً من انتظار وقوع الأزمة ثم البحث عن حلول عاجلة. ومن منظور الإدارة العامة، فإن هذا النوع من التشريعات يهدف إلى توحيد المبادئ التي تعمل وفقها المؤسسات التعليمية المختلفة، بحيث لا تصبح استمرارية التعليم مرتبطة باجتهاد كل جهة منفردة، وإنما تستند إلى قواعد قانونية واحدة. كما يعكس المشروع اتجاهاً أوسع في السياسات الفنلندية، يقوم على تعزيز قدرة المؤسسات العامة على مواصلة أداء وظائفها الأساسية حتى في الظروف الصعبة. ويظهر ذلك بوضوح في تركيز المشروع على مفهوم الجاهزية، أي الاستعداد قبل وقوع الأزمة، بدلاً من الاكتفاء بإدارتها بعد حدوثها. وفي الوقت الراهن، ما زال المشروع في مرحلة المشاورات العامة، ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ. وبعد انتهاء فترة تلقي الآراء، ستراجع وزارة التعليم والثقافة الملاحظات الواردة، ثم قد تُعدّل المشروع قبل إحالته إلى البرلمان، الذي يمتلك السلطة النهائية لإقرار التشريع أو تعديله أو رفضه. ولهذا، فإن أهمية الوثيقة الحالية لا تكمن فقط في النصوص المقترحة، وإنما أيضاً في أنها تكشف الاتجاه الذي تتحرك نحوه السياسة التعليمية الفنلندية. فالرسالة الأساسية التي تحملها هي أن استمرارية التعليم أصبحت تُعامل بوصفها جزءاً من قدرة المجتمع على الصمود، وأن بناء إطار قانوني واضح قبل وقوع الأزمات يعد خطوة ضرورية لضمان استمرار العملية التعليمية بصورة منظمة ومتسقة.
المصادر الرسمية
