فنلندا والاتحاد الأوربي
5 دقائق قراءة

فنلندا والاتحاد الأوروبي كيف تستعد الحكومة للإطار المالي الأوروبي القادم؟

ولا يأتي هذا الاهتمام من فراغ، فالإطار المالي متعدد السنوات يمثل الأساس الذي تُبنى عليه الميزانيات السنوية للاتحاد الأوروبي طوال سبع سنوات، كما يحدد حجم الموارد المخصصة للبرامج الأوروبية المختلفة

Hussein Ben Ali
Hussein Ben Ali
كاتب المحتوى
٩ يوليو ٢٠٢٦
فنلندا والاتحاد الأوروبي كيف تستعد الحكومة للإطار المالي الأوروبي القادم؟
صورة المحتوى

لم تعد مناقشات ميزانية الاتحاد الأوروبي تقتصر على تحديد حجم الإنفاق أو توزيع الأموال بين الدول الأعضاء، بل أصبحت تمثل نقاشاً سياسياً واستراتيجياً حول شكل الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة. فالإطار المالي متعدد السنوات (Multiannual Financial Framework – MFF) لا يحدد فقط سقوف الإنفاق الأوروبي لمدة سبع سنوات، وإنما يرسم أولويات الاتحاد في مجالات الدفاع، والبحث العلمي، والزراعة، والتماسك الإقليمي، والأمن، والتنافسية، ودعم أوكرانيا، وغيرها من السياسات المشتركة.

ولهذا تنظر فنلندا إلى المفاوضات الخاصة بالإطار المالي الجديد للفترة 2028–2034 باعتبارها واحدة من أهم الملفات الأوروبية خلال عام 2026. ومع تقدم المفاوضات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بدأت الحكومة الفنلندية في تحديد مواقفها الرسمية بصورة أكثر وضوحاً، سواء داخل لجنة الشؤون الأوروبية الوزارية أو خلال اجتماعات مجلس الشؤون العامة للاتحاد الأوروبي، استعداداً للمفاوضات التي ستستمر حتى التوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الأعضاء. ولا يأتي هذا الاهتمام من فراغ، فالإطار المالي متعدد السنوات يمثل الأساس الذي تُبنى عليه الميزانيات السنوية للاتحاد الأوروبي طوال سبع سنوات، كما يحدد حجم الموارد المخصصة للبرامج الأوروبية المختلفة. ولهذا فإن أي تعديل في أولويات الإنفاق أو حجم الميزانية ينعكس مباشرة على الدول الأعضاء، ومنها فنلندا، سواء من خلال برامج البحث والابتكار، أو صناديق التنمية، أو سياسات الأمن والدفاع، أو تمويل المشاريع الأوروبية المشتركة. ومنذ أن قدمت المفوضية الأوروبية مقترحها للإطار المالي الجديد في يوليو/تموز 2025، بدأت مرحلة طويلة من المفاوضات بين الدول الأعضاء. وخلال عام 2026 تكثفت الاجتماعات الوزارية الأوروبية لمناقشة تفاصيل المقترح، بينما تعمل كل دولة على بلورة أولوياتها قبل الوصول إلى اتفاق سياسي شامل. بالنسبة لفنلندا، لا يتعلق الأمر فقط بحجم الأموال التي قد تحصل عليها، وإنما أيضاً بطبيعة الاتحاد الأوروبي الذي تريد المساهمة في بنائه خلال العقد القادم. ولهذا ركزت الحكومة في بياناتها الأخيرة على ضرورة تحديث الميزانية الأوروبية بما يتناسب مع التحديات الجديدة، دون أن يؤدي ذلك إلى تضخم غير مبرر في الإنفاق العام الأوروبي.

ميزانية أكثر حداثة… ولكن ضمن حدود معقولة

أوضحت الحكومة الفنلندية أن موقفها يقوم على مبدأين متلازمين. فمن جهة، تؤيد تحديث الإطار المالي الأوروبي بحيث يعكس الأولويات الجديدة التي تواجه الاتحاد، ومن جهة أخرى ترى أن المستوى الإجمالي للميزانية المقترحة يجب أن يبقى "معقولاً" وألا يرتفع بصورة لا تتناسب مع إمكانات الدول الأعضاء. وترى فنلندا أن إعادة هيكلة الميزانية يجب أن ترافقها أيضاً إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تُوجَّه الموارد نحو المجالات التي أصبحت أكثر أهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الدفاع والأمن، وتعزيز القدرة التنافسية الأوروبية، ودعم أوكرانيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن الميزانية وعدم تحويلها إلى إطار مالي متضخم يصعب تمويله مستقبلاً. كما تناقش الحكومة الفنلندية مسألة الموارد الذاتية الجديدة للاتحاد الأوروبي، وهي الآليات التي يمكن أن توفر مصادر تمويل إضافية للميزانية الأوروبية مستقبلاً، إلى جانب مساهمات الدول الأعضاء التقليدية. ويُعد هذا الملف من أكثر ملفات المفاوضات حساسية، لأنه يرتبط بطريقة تمويل الاتحاد الأوروبي نفسه، وليس فقط بطريقة إنفاق الأموال. وخلال اجتماعات مجلس الشؤون العامة في مايو ويونيو 2026، أكدت فنلندا أن الأولويات العامة التي اقترحتها المفوضية الأوروبية تتوافق بدرجة كبيرة مع أولوياتها الأوروبية، لكنها في الوقت ذاته اعتبرت أن الحجم الإجمالي المقترح للميزانية لا يزال مرتفعاً ويحتاج إلى مزيد من النقاش بين الدول الأعضاء. ومن هنا يظهر أن الموقف الفنلندي لا يقوم على رفض الإصلاح أو تقليص دور الاتحاد الأوروبي، بل على محاولة تحقيق توازن بين توسيع أولويات الاتحاد من جهة، والحفاظ على الانضباط المالي من جهة أخرى.

لماذا تتابع فنلندا هذه المفاوضات بهذه الجدية؟

تكشف البيانات الحكومية الأخيرة أن النقاش الدائر حول الإطار المالي الأوروبي لا يُنظر إليه في هلسنكي باعتباره نقاشاً محاسبياً، بل باعتباره جزءاً من رسم مستقبل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات السبع المقبلة. فمع استمرار الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وتصاعد الاهتمام بالأمن الأوروبي، وزيادة المنافسة الاقتصادية العالمية، أصبح الاتحاد الأوروبي يواجه مطالب متزايدة بتمويل سياسات جديدة، وهو ما يفرض إعادة ترتيب أولويات الميزانية الأوروبية. ولهذا تؤكد فنلندا أن تمويل الدفاع والأمن والقدرة التنافسية ودعم أوكرانيا يجب أن يحظى بأولوية واضحة داخل الإطار المالي الجديد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن الميزانية. كما أن المفاوضات لا تقتصر على تحديد المبالغ المالية، بل تشمل أيضاً القواعد التي ستنظم عمل العديد من البرامج الأوروبية خلال الفترة 2028–2034، بما في ذلك سياسات التماسك، وصناديق التنمية الإقليمية، والبحث والابتكار، وغيرها من البرامج التي تستفيد منها الدول الأعضاء. ولهذا استمرت اجتماعات مجلس الشؤون العامة خلال عام 2026 في اعتماد مواقف تفاوضية تدريجية بشأن عدد من مكونات الإطار المالي الجديد. وتشير مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى أن الهدف هو التوصل إلى اتفاق سياسي بين الدول الأعضاء قبل نهاية عام 2026، حتى يتسنى اعتماد التشريعات اللازمة خلال عام 2027، ويبدأ تطبيق الإطار المالي الجديد في الأول من يناير/كانون الثاني 2028 دون انقطاع في تمويل البرامج الأوروبية. وبالنسبة لفنلندا، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في صياغة الموقف النهائي، إذ ستواصل الحكومة المشاركة في المفاوضات الأوروبية مع التركيز على تحقيق معادلة تجمع بين تحديث أولويات الاتحاد الأوروبي، والحفاظ على ميزانية متوازنة، وضمان توجيه الموارد إلى المجالات التي تعتبرها هلسنكي ضرورية لأمن أوروبا وقدرتها التنافسية واستقرارها الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

المصادر الرسمية