القوانين والإجراءات الرسمية
7 دقائق قراءة

دعم الاندماج في فنلندا... مشروع حكومي يعيد رسم العلاقة بين الإقامة واللغة واستحقاق الدعم العام

يعتمد المشروع الحكومي على نقطة محورية تتمثل في أن الدعم العام المخصص للعاطلين عن العمل لن يكون بالمستوى نفسه لجميع الفئات إذا دخلت التعديلات المقترحة حيز التنفيذ

Hussein Ben Ali
Hussein Ben Ali
كاتب المحتوى
٧ يوليو ٢٠٢٦
دعم الاندماج في فنلندا... مشروع حكومي يعيد رسم العلاقة بين الإقامة واللغة واستحقاق الدعم العام
صورة المحتوى

منذ أن بدأت الحكومة الفنلندية تنفيذ مشروعها الواسع لإعادة هيكلة منظومة الضمان الاجتماعي، لم يعد النقاش يقتصر على مقدار الإعانات أو آليات صرفها، بل اتجه بصورة متزايدة نحو إعادة تعريف الشروط التي تمنح الأفراد حق الوصول إلى تلك الإعانات. ويأتي هذا التوجه في إطار إصلاح أشمل يقوم على إنشاء نظام الدعم العام (Yleistuki) بوصفه نموذجاً جديداً يجمع بين عدد من أدوات الحماية الاجتماعية المرتبطة بالبطالة، مع ربطها بصورة أوثق بالاندماج في سوق العمل والخدمات العامة. وفي هذا السياق، قدمت الحكومة الفنلندية إلى البرلمان في يونيو/حزيران 2026 مشروع قانون يقترح إدخال مفهوم جديد يحمل اسم «دعم الاندماج» (Kotoutumistuki). ولم يمر هذا المصطلح مروراً عابراً، إذ أثار اهتماماً واسعاً بين المقيمين الجدد والمهتمين بسياسات الهجرة والضمان الاجتماعي، لكونه يرتبط مباشرة بحق فئة من الباحثين عن العمل في الحصول على الدعم المالي خلال السنوات الأولى من الإقامة في فنلندا. لكن القراءة الدقيقة للنصوص الرسمية الصادرة عن مؤسسة التأمينات الاجتماعية الفنلندية Kela تكشف أن الصورة تختلف عمّا قد يوحي به الاسم. فالمشروع لا ينشئ إعانة اجتماعية مستقلة، ولا يستحدث نظاماً منفصلاً عن الدعم العام، وإنما يقترح تطبيق مستوى مخفّض من الدعم العام على فئة محددة من الباحثين عن العمل الذين لم يمض على إقامتهم في فنلندا سوى فترة زمنية معينة ولم يحققوا بعد شرط العمل المطلوب لاستحقاق إعانات البطالة. ويمثل هذا المقترح جزءاً من حزمة تشريعية أوسع تشمل تعديلات على قانون الدعم العام، وقوانين الاندماج، وبعض التشريعات المرتبطة بإثبات المهارات اللغوية، وهو ما يعكس رغبة الحكومة في أن يصبح نظام الدعم مرتبطاً بصورة أوضح بمسار الاندماج في المجتمع الفنلندي وسوق العمل، مع إبقاء المشروع حتى الآن ضمن المسار التشريعي المعتاد بانتظار مناقشته وإقراره من البرلمان.

من «الدعم العام» إلى «دعم الاندماج»... كيف يغيّر المشروع قواعد الاستحقاق؟

يعتمد المشروع الحكومي على نقطة محورية تتمثل في أن الدعم العام المخصص للعاطلين عن العمل لن يكون بالمستوى نفسه لجميع الفئات إذا دخلت التعديلات المقترحة حيز التنفيذ. فبحسب النص الرسمي، يقترح أن يحصل الباحث عن العمل على دعم عام مخفّض إذا اجتمعت لديه ثلاثة شروط رئيسية في الوقت نفسه. أول هذه الشروط أن يكون الشخص باحثاً عن عمل وعاطلاً عن العمل. أما الشرط الثاني فهو ألا يكون قد استوفى شرط العمل (työssäoloehto) الذي يتيح الحصول على إعانات البطالة المرتبطة بسجل العمل. ويتمثل الشرط الثالث في أن يكون قد أقام في فنلندا أقل من ثلاث سنوات خلال السنوات العشر السابقة. عند اجتماع هذه العناصر، يصبح الدعم العام الذي يحصل عليه الشخص أقل من المستوى المعتاد، ويُطلق على هذا المستوى المخفّض اسم Kotoutumistuki أو «دعم الاندماج». وتؤكد Kela بوضوح أن الأمر لا يتعلق بإعانة جديدة منفصلة، وإنما باسم يُستخدم للدلالة على هذا المستوى من الدعم داخل نظام الدعم العام نفسه.

وتكشف هذه الصياغة أن الحكومة لم تتجه إلى إنشاء مسار موازٍ للضمان الاجتماعي، وإنما إلى إعادة تصنيف المستفيدين داخل النظام نفسه وفق معايير تتعلق بتاريخ الإقامة والارتباط بسوق العمل. ومن التفاصيل التي يبرزها المشروع أن احتساب مدة الإقامة لا يقتصر على السنوات التي قضاها الشخص داخل فنلندا وحدها. فقد نص المشروع على أن السنوات التي أمضاها الشخص في دول الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية أو سويسرا تدخل أيضاً في احتساب شرط السنوات الثلاث. ويعني ذلك أن شخصاً عاش ثلاث سنوات أو أكثر في إحدى هذه الدول خلال السنوات العشر السابقة قد يكون مستوفياً لهذا الشرط منذ انتقاله إلى فنلندا، وهو ما يجعل تقييم مدة الإقامة يعتمد على المسار الأوروبي السابق للشخص، وليس فقط على تاريخ دخوله إلى الأراضي الفنلندية. كما حدد المشروع قيمة الدعم المخفّض وفق مستوى الدعم العام لعام 2026، حيث تبلغ 33.64 يورو يومياً. وتشير Kela إلى أن هذا الرقم محسوب وفق قيمة الدعم الحالية، وبالتالي فإنه يرتبط بالمستويات المالية السارية عند احتساب الدعم، وقد يتغير مستقبلاً إذا تغيرت قيمة الدعم العام نفسها. وفي الوقت نفسه، يوضح المشروع أن تطبيق هذا النظام لن يشمل جميع المقيمين الحاليين في فنلندا بصورة تلقائية، إذ يقترح أن تسري هذه الأحكام على الأشخاص الذين ينتقلون إلى فنلندا بعد دخول القانون حيز التنفيذ، مع وجود ترتيبات خاصة لبعض الفئات، وعلى رأسها الأشخاص الحاصلون على الحماية المؤقتة، الذين تناولتهم الحكومة في مشروع موازٍ نُشر بالتزامن مع هذا المقترح.

اللغة والإقامة والاستثناءات... كيف يرسم المشروع حدود الدعم المقترح؟

لا يقف المشروع عند حدود مدة الإقامة وسجل العمل، بل يربط أيضاً بين مستوى الدعم وبين إثبات المهارة اللغوية أو وجود مؤهلات تعليمية معينة، وهو ما يجعل اللغة جزءاً من معايير تحديد مقدار الدعم في الحالات التي ينظمها المشروع. وتوضح Kela أن الدعم العام لن يُخفض إذا كان الباحث عن العمل ينتمي إلى إحدى الفئات التي حددها مشروع القانون. تشمل هذه الفئات الأشخاص الذين تعد الفنلندية أو السويدية أو إحدى لغات السامي لغتهم الأم، كما تشمل الأشخاص الذين تمكنوا من إثبات مهاراتهم في اللغة الفنلندية أو السويدية بالطريقة التي تعتمدها سلطات خدمات التوظيف. ولا يقتصر الأمر على اختبارات اللغة، إذ يمتد أيضاً إلى الخلفية التعليمية. فالشخص الذي أنهى التعليم الأساسي أو المرحلة الثانوية أو امتحان الثانوية العامة أو مؤهلاً يمنح كفاءات مهنية باللغة الفنلندية أو السويدية أو السامية لا يخضع كذلك للتخفيض المقترح في الدعم. ويضيف المشروع حالة أخرى ذات أهمية، إذ ينص على أن التخفيض لا يطبق إذا كان الشخص غير قادر على إثبات مهاراته اللغوية بسبب إعاقة أو سبب مماثل. وبذلك لا يربط النص بين عدم تقديم دليل لغوي وبين التخفيض بصورة آلية، وإنما يقر بوجود حالات تمنع الشخص من تقديم هذا الإثبات ويستثنيها من تطبيق القاعدة. وتتداخل هذه الأحكام مع مشروع حكومي آخر يتعلق بالأشخاص الحاصلين على الحماية المؤقتة. ففي المشروع الموازي، تقترح الحكومة أن يحصل هؤلاء على حق الاستفادة من الدعم العام اعتباراً من 1 أبريل/نيسان 2027 إذا أقر البرلمان التشريع. لكن مقدار الدعم يعتمد أيضاً على تاريخ انتقال الشخص إلى فنلندا. فمن انتقل إلى فنلندا قبل 1 أبريل/نيسان 2026 يقترح أن يكون له الحق في الدعم العام الكامل اعتباراً من 1 أبريل/نيسان 2027.

أما من انتقل خلال الفترة الممتدة بين 1 أبريل/نيسان 2026 و31 مارس/آذار 2027، فيرتبط حقه بالدعم الكامل بالوقت الذي تعتبر فيه Kela أن إقامته أصبحت دائمة، وهو ما يحدث عادة بعد مرور عام من الإقامة المستمرة في فنلندا. أما الأشخاص الذين ينتقلون إلى فنلندا في 1 أبريل/نيسان 2027 أو بعده، فقد ينطبق عليهم نظام الدعم العام المخفّض، إذا لم يستوفوا شرط السنوات الثلاث أو شرط العمل، وهو ما يربط المشروعين التشريعيين ضمن إطار تنظيمي واحد. ومن الناحية الزمنية، لا يزال المشروع في مرحلته التشريعية. فقد أحالت الحكومة المقترح إلى البرلمان، ويظل دخوله حيز التنفيذ مشروطاً بموافقة البرلمان عليه. وإذا أُقر بصيغته الحالية، فمن المقرر أن يبدأ تطبيقه في 1 أبريل/نيسان 2027. وتشير Kela إلى أنها ستنشر معلومات أكثر تفصيلاً حول التنفيذ والجداول الزمنية بعد انتهاء البرلمان من معالجة مشروع القانون. ويظهر من مجمل المواد الرسمية أن الحكومة تسعى، من خلال هذا المشروع، إلى إدخال تعديلات على آلية استحقاق الدعم العام للعاطلين عن العمل عبر الجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية هي مدة الإقامة، والارتباط السابق بسوق العمل، وإثبات المهارات اللغوية أو المؤهلات التعليمية ذات الصلة. وفي الوقت نفسه، يحدد المشروع استثناءات واضحة لبعض الفئات، كما يربط تطبيق الأحكام الجديدة بمواعيد انتقال الأشخاص إلى فنلندا وبالمسار التشريعي الذي لم يكتمل بعد، ما يعني أن جميع هذه التعديلات ستظل رهناً بقرار البرلمان قبل أن تصبح جزءاً من منظومة الضمان الاجتماعي الفنلندية.

المصادر