حين تفكر فنلندا في مستقبلها التعليمي والمهني، فإنها لا تقتصر على التخطيط للسنة المقبلة أو البرنامج الوزاري الحالي، بل تبني أفقًا يمتد لعقود مقبلة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التقرير المعروف باسم “Osaaminen 2035” الذي صدر بتنسيق من Opetushallitus بالتعاون مع خبراء تعليم واقتصاد وعمل، وشارك في صياغته أكثر من ألف متخصص في جلسات تفكير جماعية. الفكرة الأساسية للتقرير هي الإجابة عن سؤال: ما هي المهارات التي يحتاج إليها المجتمع الفنلندي عام 2035 كي يظل قادرًا على المنافسة، عادلًا اجتماعيًا، مستدامًا بيئيًا، ومندمجًا عالميًا مصدر.
ينطلق التقرير من مبدأ أن العالم يشهد تغيرات متسارعة في التكنولوجيا والديموغرافيا وسوق العمل، وأن الاعتماد على المهارات التقليدية لم يعد كافيًا. لذلك رُسمت قائمة من المهارات المستقبلية الأساسية. في مقدمة هذه القائمة تأتي مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة، إذ يُتوقع أن تكون القدرة على التعامل مع المعلومة وتحليلها واتخاذ القرار في ظل الغموض أهم من مجرد امتلاك معرفة نظرية. هذا التوجه يعكس إدراك فنلندا أن الثورة الرقمية وتغير المناخ والتحولات الاقتصادية العالمية ستجعل من “القدرة على التعلم المستمر” سمة لا غنى عنها لأي فرد.
يركّز التقرير أيضًا على المهارات الرقمية، ليس فقط بمعنى معرفة استخدام الحاسوب أو الهاتف الذكي، بل القدرة على التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، وحماية الخصوصية في بيئة رقمية. بحسب التقرير، سيكون التعامل مع الروبوتات والأنظمة الذكية جزءًا من الحياة اليومية، سواء في مكان العمل أو المنزل، مما يجعل التعليم الرقمي عنصرًا مدمجًا في جميع مستويات التعليم الفنلندي بحلول 2035 مصدر.
لكن المهارات ليست تقنية فقط. التقرير يضع أولوية للمهارات الاجتماعية والثقافية، مثل القدرة على التواصل بين الثقافات المختلفة، العمل الجماعي، وإدارة النزاعات. فنلندا، التي تشهد تنوعًا متزايدًا بسبب الهجرة، ترى أن القدرة على التفاهم بين أشخاص من خلفيات لغوية ودينية وثقافية متنوعة ليست ترفًا بل مهارة أساسية لضمان تماسك المجتمع. هذا يعني أن الناطقين بالعربية وغيرهم من المهاجرين سيكون لهم دور حيوي إذا ما استُثمرت قدراتهم في بناء جسور ثقافية داخل المجتمع الفنلندي.
أحد المحاور المهمة في “Osaaminen 2035” هو التأكيد على المهارات الخضراء. مع التزام فنلندا بالتحول البيئي نحو اقتصاد منخفض الكربون، يُتوقع أن يكون لكل مواطن معرفة عملية حول الاستدامة، من إدارة الطاقة والنفايات إلى دعم الاقتصاد الدائري. هذه المهارات لا تخص فقط المهندسين أو العلماء، بل تمتد إلى العاملين في مجالات النقل والزراعة والخدمات. فمن دون وعي بيئي على مستوى المجتمع، لا يمكن تحقيق الأهداف المناخية الوطنية التي وضعتها الحكومة مصدر.
التقرير لا يقتصر على تحديد المهارات، بل يصف أيضًا آليات تحقيقها. التعليم النظامي من الروضة حتى الجامعة هو القاعدة، لكن التركيز الأكبر سيكون على التعلم مدى الحياة. فبحلول 2035، سيكون من المعتاد أن يعود الأفراد إلى مقاعد الدراسة عدة مرات خلال حياتهم العملية، سواء عبر دورات قصيرة، شهادات مهنية، أو تدريب عبر الإنترنت. لهذا السبب تعمل وزارة التعليم والثقافة على بناء منظومة مرنة تسمح للأفراد بتجميع “وحدات تعلم” يمكن الاعتراف بها وضمّها إلى شهادات رسمية، وهو ما يُعرف باسم “micro-credentials” مصدر.
أحد أبعاد التقرير هو ربط المهارات باحتياجات سوق العمل. فبحسب التوقعات، ستظل قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم من أكثر المجالات طلبًا على الأيدي العاملة في فنلندا، نظرًا لشيخوخة السكان. لذلك فإن المهارات الإنسانية مثل التعاطف والتواصل الفعّال والرعاية ستكون ذات قيمة عالية. وفي المقابل، ستتطلب قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي مهارات تقنية متقدمة، ما يخلق صورة مزدوجة: حاجة إلى قلوب رحيمة وأيدٍ ذكية في آن واحد.
من الجدير بالذكر أن التقرير لا ينظر إلى المهارات باعتبارها خصائص فردية فقط، بل كقدرات مجتمعية. أي أن على المدارس والجامعات وأرباب العمل والمنظمات غير الحكومية أن يبنوا بيئة تشجع على استخدام هذه المهارات بشكل جماعي. فعلى سبيل المثال، القدرة على الابتكار لا تتحقق إذا كان النظام الإداري يقمع الأفكار الجديدة، أو إذا لم يُسمح للموظفين بالمشاركة في صنع القرار. لذا يدعو التقرير إلى إصلاحات مؤسسية موازية لتهيئة أرضية خصبة لنمو هذه المهارات مصدر.
وعند التفكير في أثر هذه الرؤية على القادمين الجدد، خاصة الناطقين بالعربية، يمكن القول إنهم يقفون أمام فرصة مزدوجة. فمن جهة، قد تبدو المهارات المطلوبة لعام 2035 بعيدة المنال لمن لم يحصل بعد على إتقان كافٍ للغة الفنلندية أو السويدية. لكن من جهة أخرى، فإن بعض المهارات مثل التعدد الثقافي، التكيف، والقدرة على العمل في بيئات غير مألوفة، هي أصلاً من خصائص المهاجرين الذين عاشوا تجربة الانتقال بين ثقافتين أو أكثر. هذا يعني أن القادم الجديد إذا ما استثمر تجربته الخاصة في تعلم اللغة واكتساب المهارات الرقمية والخضراء، فإنه سيكون في موقع قوة مقارنة بغيره.
في هذا السياق، تعمل البلديات الفنلندية بالفعل على ربط برامج الاندماج بالتوجهات المستقبلية للمهارات. فمثلاً، يتم إدخال عناصر من الاقتصاد الدائري في دورات اللغة الموجهة للمهاجرين، بحيث يتعلمون المفردات الجديدة وفي الوقت نفسه يطلعون على قيم الاستدامة. كما أن بعض مراكز التوظيف بدأت في تقديم برامج تجريبية حيث يشارك المهاجرون في مشاريع رقمية صغيرة، مما يمنحهم خبرة تقنية ولغوية في آن واحد. هذه الأمثلة تبيّن أن رؤية 2035 ليست مجرد خطة على الورق، بل بدأت بالتغلغل في سياسات الاندماج الحالية مصدر.
من الناحية العملية، يعني هذا أن كل مهاجر عليه أن يفكر منذ البداية: أي من المهارات المستقبلية أحتاج أن أركز عليها؟ فإذا كان مجالك في الرعاية الصحية، فربما عليك أن تدمج بين تحسين اللغة وتعلم المهارات الرقمية الخاصة بتقنيات الصحة الذكية. وإذا كنت مهتمًا بمجال التعليم، فعليك أن تطور قدرتك على التواصل بين الثقافات وإدارة التنوع داخل الصف. وإذا كانت خبرتك في الزراعة أو الصناعات، فالمهارات الخضراء ستكون طريقك للاندماج السريع. بهذا الشكل، يصبح تقرير “Osaaminen 2035” ليس مجرد وثيقة وطنية، بل خريطة طريق شخصية لكل وافد جديد.
إن التحدي الأكبر هو ضمان أن لا تتحول هذه الرؤية الطموحة إلى حاجز جديد يعيق المهاجرين. فإذا طُلب من الجميع أن يملك مهارات رقمية متقدمة دون توفير التدريب المناسب، أو مهارات لغوية عالية دون دعم كافٍ، فإن الفجوة ستتسع بدل أن تضيق. لذلك يشدد التقرير على أن التعليم مدى الحياة يجب أن يكون متاحًا للجميع، وأن يُوفَّر الدعم الخاص للفئات المهاجرة والضعيفة. الحكومة الفنلندية أكدت في برامجها أن تحقيق المساواة في الوصول إلى فرص التعلم المستمر شرط أساسي لنجاح رؤية 2035 مصدر.
أن المستقبل مفتوح لك إذا بدأت من الآن في بناء المهارات التي ستصبح ضرورية خلال عقد واحد فقط. يجب أن تعطي الأولوية لتعلم اللغة الفنلندية أو السويدية لأنها مفتاح كل المهارات الأخرى. ثم ركّز على المهارات الرقمية، حتى لو بدأت بخطوات صغيرة مثل دورات مجانية عبر الإنترنت. لا تهمل المهارات الاجتماعية: القدرة على العمل مع أشخاص من خلفيات مختلفة هي ميزة تملكها أصلًا كمهاجر. وابحث عن فرص لاكتساب وعي بيئي ومهارات خضراء، لأن هذه ستجعل منك جزءًا من التحول المستدام الذي تسعى إليه فنلندا. بكلمات أخرى، تقرير “Osaaminen 2035” ليس وثيقة حكومية بعيدة، بل رسالة شخصية لك: إذا استثمرت في نفسك اليوم، ستجد أن أبواب سوق العمل الفنلندي عام 2035 مفتوحة أمامك.
