المجتمع والمشاركة
6 دقائق قراءة

التنمية المستدامة في التراث الثقافي كيف تبني فنلندا نموذجًا حضاريًا يوازن بين الماضي والمستقبل؟

وإذا اختفت هذه البنية، فلن يبقى معنى للاستدامة بوصفها مجرد توازنٍ مادي. ومن هنا، وضعت الهيئة مفهوم «التراث كموارد متجددة» في قلب سياساتها لعام 2025–2030، مؤكدةً أن الذاكرة الجمعية ليست عبئًا على التقدم، بل شرطٌ لحدوثه

Sara Al-Tamimi
Sara Al-Tamimi
كاتب المحتوى
٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
التنمية المستدامة في التراث الثقافي كيف تبني فنلندا نموذجًا حضاريًا يوازن بين الماضي والمستقبل؟
صورة المحتوى

في مطلع عام 2025 نشرت هيئة المتاحف الوطنية في فنلندا (Museovirasto) خطتها الجديدة للتنمية المستدامة، وهي وثيقة تُعدّ من أكثر المشاريع المؤسسية طموحًا في مجال حماية التراث الثقافي الأوروبي. تعكس هذه الخطة محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر من منظور بيئي واجتماعي وأخلاقي، بحيث يصبح الحفاظ على التراث جزءًا عضويًا من منظومة الاستدامة لا مجرد واجبٍ ثقافي. في بلدٍ يُعرف بتقنيته المتقدمة ووعيه البيئي، تُظهر هذه الوثيقة كيف يمكن للتاريخ أن يتحوّل إلى مورد مستقبلي يعزز العدالة الاجتماعية ويقلّل الأثر البيئي في الوقت نفسه. تقوم الرؤية الفنلندية الجديدة على فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد لا يمكن تحقيق الاستدامة البيئية دون استدامةٍ ثقافية. فالمدن، والمباني، والعادات الاجتماعية، واللغات المحلية كلها تشكّل البنية التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل من خلالها مع بيئته. وإذا اختفت هذه البنية، فلن يبقى معنى للاستدامة بوصفها مجرد توازنٍ مادي. ومن هنا، وضعت الهيئة مفهوم «التراث كموارد متجددة» في قلب سياساتها لعام 2025–2030، مؤكدةً أن الذاكرة الجمعية ليست عبئًا على التقدم، بل شرطٌ لحدوثه.

في إطار هذه الرؤية، تسعى Museovirasto إلى إدماج التراث الثقافي في جميع مستويات التخطيط العام. فالمؤسسات الحكومية والبلديات مطالبة بأن تأخذ بعين الاعتبار القيمة التاريخية والبيئية لأي مشروع عمراني جديد، سواء كان يتعلق بالبنية التحتية أو السكن أو الطاقة. ويُعدّ هذا المبدأ تطورًا نوعيًا في السياسات العامة الفنلندية، إذ لم يعد الحفاظ على التراث وظيفة متحف أو جهة ثقافية فقط، بل مسؤوليةً جماعية في صنع القرار اليومي. كما تتضمن الخطة بندًا واضحًا حول «العدالة المكانية» في توزيع الموارد، بحيث لا تتركز المشاريع الثقافية في العاصمة هلسنكي فحسب، بل تشمل المناطق الريفية والشمالية حيث يعيش جزءٌ مهم من التراث اللغوي والحرفي القديم. وتستند الوثيقة إلى مبادئ الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، لكنها تُعيد تفسيرها في سياق فنلندي واقعي. فالمسألة لا تتعلق فقط بتقليل الانبعاثات أو تحسين إدارة الطاقة، بل أيضًا بالحفاظ على التنوع اللغوي والثقافي، وتعزيز المشاركة المجتمعية في صون المواقع التاريخية. وتوضح Museovirasto أن مشاركة المجتمع المحلي في صيانة المباني القديمة أو الممارسات الثقافية غير المادية تخلق وعيًا مشتركًا بالانتماء، وهو ما يجعل الاستدامة الاجتماعية ممكنة. من بين أبرز ما ورد في خطة 2025 هو التركيز على «التراث غير المادي» – أي التقاليد، والموسيقى الشعبية، والحرف اليدوية، والمهرجانات، وأنماط العيش اليومية. فهذه الجوانب لا تقل أهمية عن المباني أو الآثار المادية، لأنها تمثل جوهر الهوية الفنلندية المتنوعة. وتدعم الدولة منذ عام 2017 هذه الجهود ضمن إطار اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي، إلا أن الخطة الجديدة أضافت بعدًا بيئيًا لهذه العملية، معتبرة أن الاستدامة الثقافية لا تنفصل عن احترام الموارد الطبيعية التي تُمارس فيها هذه الأنشطة.

ويشير التقرير أيضًا إلى الدور المركزي الذي تلعبه التقنيات الرقمية في حماية التراث. فبفضل الأرشفة الإلكترونية والمسح ثلاثي الأبعاد، أصبح من الممكن حفظ المعالم القديمة رقميًا وإعادة استخدامها في التعليم والسياحة والبحث العلمي. وتخطط الهيئة لإطلاق منصة رقمية وطنية تتيح للمدارس والجامعات الوصول إلى المحتوى التاريخي بشكلٍ تفاعلي، ما يعزز علاقة الجيل الجديد بالماضي بطريقة حديثة. كما يجري تطوير تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتصنيف الصور والوثائق الأثرية وتحليل حالتها المادية بشكلٍ آلي. على الجانب العملي، تشمل الخطة مجموعة من المبادرات الميدانية لتقليل البصمة الكربونية في المتاحف والمؤسسات الثقافية. إذ يُطلب من كل متحف ودار أرشيف في البلاد وضع خطةٍ خضراء للطاقة بحلول نهاية عام 2026، تعتمد على تقنيات التدفئة المستدامة والمواد القابلة لإعادة التدوير في المعارض. ويُعدّ متحف الفن في مدينة تامبيري نموذجًا رائدًا في هذا المجال بعد نجاحه في خفض استهلاك الطاقة بنسبة 30٪ خلال عامين عبر اعتماد نظام إضاءة ذكي يستخدم بيانات الحركة داخل القاعات. ولا تقتصر جهود Museovirasto على المستوى الوطني، بل تمتد إلى التعاون الأوروبي من خلال برامج مجلس أوروبا لشبكات المسارات الثقافية (Cultural Routes). هذه المسارات لا تروّج فقط للسياحة، بل تسعى إلى بناء جسورٍ بين الدول عبر استحضار الذاكرة المشتركة في القارة. ومن بين المشاريع الجارية، المشاركة الفنلندية في «طريق العمارة الحديثة في الشمال»، الذي يوثّق المباني التي شكّلت ملامح الحداثة الإسكندنافية في القرن العشرين، ويعمل على إدراجها ضمن قوائم التراث الأوروبي.

ومن الزاوية الاجتماعية، تسعى الخطة إلى جعل التراث الثقافي وسيلةً لمواجهة تحديات العزلة الديموغرافية في المناطق الريفية. فالمهرجانات المحلية وإحياء الحرف التقليدية تخلق فرص عملٍ صغيرة وتعيد تنشيط الروابط المجتمعية. وفي مقاطعات مثل كاينو ولاپلاند، تُستخدم مشاريع الحفاظ على القرى القديمة كمختبراتٍ للتعاون بين الأجيال، إذ يعمل الشباب مع كبار السن في ترميم المباني أو توثيق القصص الشعبية. وبذلك يتحول التراث من مجرد ذاكرة إلى أداة تنمية اجتماعية. أما في ما يتعلق بالتمويل، فتوضح Museovirasto أن الاستثمار في التراث المستدام ليس عبئًا على الميزانية، بل عامل استقرار اقتصادي طويل الأمد. فكل يورو يُستثمر في الترميم أو في الفعاليات الثقافية يولّد عائدًا مضاعفًا في قطاعات السياحة والتعليم والخدمات المحلية. وتشير التقديرات إلى أن الصناعات الثقافية والفنية في فنلندا تساهم بأكثر من 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم في تزايد مستمر بفضل دمج التكنولوجيا والابتكار في هذا المجال. لكن التحديات ما تزال قائمة. فالتغير المناخي يؤثر بشكل مباشر على المواقع الأثرية في السواحل الشمالية، حيث يؤدي ذوبان الجليد وارتفاع منسوب البحر إلى تآكل البنى الخشبية القديمة. كما تواجه المتاحف صعوبة في موازنة متطلبات الحفظ البيئي الصارمة مع ارتفاع تكاليف الطاقة. وتقرّ الهيئة بأن تحقيق أهدافها البيئية يتطلب دعمًا ماليًا مستمرًا من الدولة وشراكاتٍ مع القطاع الخاص.

ومن اللافت في خطة Museovirasto لعام 2025 أنها لا تفصل بين الإنسان والبيئة، بل تعتبر الثقافة جزءًا من النظام البيئي ذاته. فحماية الطبيعة لا تكتمل دون فهم تاريخ العلاقة بين الإنسان والأرض. وفي هذا السياق، تتعاون الهيئة مع وزارة البيئة وجامعة هلسنكي في مشروع بحثي يستكشف كيف يمكن استخدام المعرفة التقليدية في إدارة الغابات والبحيرات بطريقةٍ أكثر استدامة. وتشير النتائج الأولية إلى أن الجمع بين العلوم الحديثة والممارسات القديمة – مثل أساليب الصيد والزراعة التقليدية – يمكن أن يقدّم حلولًا فعالة للتغير المناخي. وفي الوقت ذاته، تؤكد الخطة على أهمية الشفافية والمساءلة في إدارة التراث. فالمؤسسات الثقافية مطالبة بتقديم تقارير سنوية عن أنشطتها البيئية والاجتماعية، ونشرها على الموقع الإلكتروني للهيئة ضمن مؤشرٍ وطني للاستدامة الثقافية. هذا الإجراء يهدف إلى بناء الثقة العامة وتعزيز المشاركة، بحيث يصبح المواطن جزءًا من عملية المراقبة والتقييم. إنّ الرؤية التي تطرحها فنلندا اليوم في مجال التنمية الثقافية المستدامة ليست مجرد مبادرة وطنية، بل تجربة عالمية في إعادة تعريف التنمية من منظورٍ إنساني شامل. فهي تُظهر أن الحفاظ على التراث لا يعني البقاء في الماضي، بل استثمار الماضي من أجل مستقبلٍ أكثر توازنًا. فالمباني القديمة، والأغاني الشعبية، والطقوس المحلية ليست بقايا زمنٍ مضى، بل مصادر للهوية والمعنى والابتكار. الوثيقة، تلخّص Museovirasto رسالتها بعبارةٍ بسيطة تُجسد روح المشروع: «الثقافة ليست ترفًا، بل شرطٌ للاستدامة». إنها جملة تلخّص فلسفة بلدٍ استطاع أن يحوّل وعيه البيئي إلى ممارسةٍ ثقافية، وأن يجعل من ذاكرته الجمعية موردًا متجدّدًا للحياة. وبينما تتسابق دول العالم نحو التنمية التقنية، تذكّرنا فنلندا بأن التقدم الحقيقي يبدأ حين نحترم جذورنا ونفهم أن حماية التراث ليست استرجاعًا للماضي، بل بناءٌ هادئ لمستقبلٍ يُنصت لتاريخ الأرض والإنسان معًا.