مقالات
4 دقائق قراءة

اللغة العربية تقترب من الصدارة كلغة أجنبية في فنلندا

هذا النمو لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق الهجرة. فقد استقبلت فنلندا موجات كبيرة من طالبي اللجوء العرب، خصوصاً من العراق وسوريا، في أعوام 2015–2016. ومع استقرار الكثيرين منهم، تزايدت الحاجة إلى بناء حياة مستقرة، ما شمل المدارس، فرص العمل، والحياة الاجتماعية. وبمرور الوقت، نشأ جيل جديد من الأطفال والشباب العرب الذين يتحدثون العربية في منازلهم، لكنهم يتلقون تعليمهم بالفنلندية أو السويدية، مما خلق حالة من الثنائية اللغوية التي تغني المجتمع.

Sultan Murshedi
Sultan Murshedi
كاتب المقال
٢٤ أغسطس ٢٠٢٥
اللغة العربية تقترب من الصدارة كلغة أجنبية في فنلندا

على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت فنلندا تغيرات سكانية متلاحقة غيّرت من ملامحها الثقافية والاجتماعية. فمنذ موجات الهجرة الأولى في تسعينيات القرن الماضي، خصوصاً بعد الحروب في العراق والصومال وسوريا لاحقاً، أخذت اللغة العربية مكانة متزايدة في المشهد الفنلندي. واليوم، لم تعد العربية مجرد لغة للمهاجرين الجدد، بل باتت عنصراً راسخاً في المجتمع يعكس حضور جيل جديد وُلد وتربى هنا. ووفقاً لتقرير نشرته هيئة الإذاعة الفنلندية Yle في 4 أبريل 2025، فإن عدد سكان فنلندا الذين يتحدثون لغات غير الفنلندية أو السويدية أو الساميّة تجاوز 600 ألف شخص، أي ما يعادل نحو 11% من مجموع السكان (المصدر: Yle). ومن بين هذه اللغات، تبرز العربية بقوة، إذ بلغ عدد المتحدثين بها حوالي 43,534 شخصاً في عام 2024، بعدما تضاعف تقريباً منذ عام 2014. وبذلك أصبحت العربية منافساً مباشراً للغات راسخة مثل الروسية والإستونية. هذا النمو لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق الهجرة. فقد استقبلت فنلندا موجات كبيرة من طالبي اللجوء العرب، خصوصاً من العراق وسوريا، في أعوام 2015–2016. ومع استقرار الكثيرين منهم، تزايدت الحاجة إلى بناء حياة مستقرة، ما شمل المدارس، فرص العمل، والحياة الاجتماعية. وبمرور الوقت، نشأ جيل جديد من الأطفال والشباب العرب الذين يتحدثون العربية في منازلهم، لكنهم يتلقون تعليمهم بالفنلندية أو السويدية، مما خلق حالة من الثنائية اللغوية التي تغني المجتمع.

تتوزع الجالية العربية في مدن عدة، أبرزها هلسنكي، توركو، تامبيري، أولو ولاهتي. في هذه المدن، أصبح حضور العربية ملموساً في المتاجر، المراكز الثقافية، المدارس، وحتى في المواصلات العامة حيث تُسمع العربية بشكل متزايد. كما ظهرت مبادرات مجتمعية مثل الجمعيات الثقافية والإعلامية، التي لا تهدف فقط إلى ربط العرب بجذورهم، بل إلى بناء جسور مع المجتمع الفنلندي الأوسع. إحدى أبرز القضايا المرتبطة بانتشار العربية هي التعليم. فقد بدأت بعض المدارس في تقديم دروس لغة الأم بالعربية، وهو أمر تدعمه الدولة في إطار تعزيز الهوية اللغوية للأطفال من أصول مهاجرة. هذا الدعم يضمن أن يظل الأطفال على صلة بلغتهم وثقافتهم، في الوقت نفسه الذي يندمجون فيه بالمجتمع الفنلندي. ويعتبر كثير من الخبراء أن ذلك يساهم إيجابياً في الصحة النفسية للأطفال وفي تعزيز ثقتهم بأنفسهم.

كما ينعكس انتشار العربية على سوق العمل. فهناك حاجة متزايدة إلى مترجمين، موظفين اجتماعيين، وأطباء يتحدثون العربية، نظراً لوجود جالية كبيرة تحتاج أحياناً إلى خدمات بلغتها الأم. على سبيل المثال، تعمل بعض البلديات على توفير موظفين يتحدثون العربية في مكاتب الخدمات الاجتماعية، لتسهيل التواصل مع الأسر الجديدة. وهذا لا يخدم فقط المهاجرين، بل يسهّل عمل المؤسسات الحكومية نفسها. لكن هذه التحولات لا تخلو من تحديات. فالتعددية اللغوية تثير أسئلة سياسية واجتماعية في فنلندا: هل يجب أن يكون هناك المزيد من الخدمات بالعربية؟ كيف يمكن تحقيق توازن بين الاندماج في اللغة الفنلندية والحفاظ على اللغات الأم؟ هذه النقاشات ليست جديدة، فقد أثيرت سابقاً مع الموجات الناطقة بالروسية والإستونية. واليوم، تأتي العربية في قلب هذا الحوار. ومع ذلك، فإن حضور اللغة العربية لا يقتصر على الخدمات أو التحديات، بل يمتد إلى الثقافة والإعلام. فقد أطلقت هيئة الإذاعة الفنلندية Yle خدمات إخبارية باللغة العربية منذ عام 2024، في خطوة تهدف إلى ضمان وصول الأخبار والمعلومات إلى شريحة أوسع من المجتمع (المصدر: Yle). كما تنتج جمعيات مثل "مرسال" محتوى مجتمعياً موجهاً للعرب، يساعدهم على فهم القوانين والخدمات الفنلندية بلغتهم الأم. إن صعود اللغة العربية في فنلندا ليس مجرد رقم في جداول الإحصاءات، بل هو انعكاس لتجربة إنسانية أوسع: تجربة الانتقال، التكيف، وبناء حياة جديدة في بلد مختلف. وهو أيضاً فرصة لفنلندا كي تعيد تعريف نفسها كمجتمع متعدد اللغات والثقافات، حيث تكون العربية جزءاً من الهوية الوطنية الحديثة.