اخبار
6 دقائق قراءة

كيمياء الهجرة تتغير: رئيس IOM يحذر في هلسنكي من أن 'الهجرة لا يمكن إدارتها' وسط توترات أوروبية جديدة

مع انتهاء زيارته إلى هلسنكي، بدا أن رسالة روكو تركت أثرًا عميقًا في النقاش الفنلندي. ففي وسائل الإعلام، تناولت الصحف تصريحاته بوصفها تنبيهًا إلى أن فنلندا، مثل باقي أوروبا، لا تستطيع أن تعيش بمعزل عن العالم. موجات البشر التي تتحرك اليوم من الجنوب والشرق ليست ظاهرة عابرة، بل جزء من واقع عالمي سيتعاظم مع تصاعد الحروب وتغير المناخ وعدم الاستقرار الاقتصادي. والسؤال الذي يُطرح بإلحاح هو: هل تستطيع أوروبا أن تتحول من عقلية "التحصين" إلى عقلية "الشراكة"، وهل يمكن لفنلندا الصغيرة أن تجد لنفسها موقعًا في هذه المعادلة الكبرى؟

Aseel AL- Samarli
Aseel AL- Samarli
كاتب المقال
٢ سبتمبر ٢٠٢٥
كيمياء الهجرة تتغير: رئيس IOM يحذر في هلسنكي من أن 'الهجرة لا يمكن إدارتها' وسط توترات أوروبية جديدة

في قلب العاصمة الفنلندية هلسنكي، وبين جدران مبنى حكومي بسيط، اجتمع مسؤولون من وزارات الداخلية والخارجية والعمل مع رجل يعرف أبعاد قضية الهجرة كما يعرف الملاح الأمواج التي تتلاطم على سواحل المتوسط. جيانلوكا روكو، مدير منطقة الاتحاد الأوروبي ومنطقة شنغن في منظمة الهجرة الدولية (IOM)، جاء إلى فنلندا في صيف 2025 حاملاً رسالة لا لبس فيها: الهجرة ليست ملفًا يمكن للدول أن تتحكم فيه بإحكام أو أن تُغلقه بقرار، بل هي تيار إنساني متجدد، لا يمكن سوى مراقبته وتوجيهه ضمن حدود الممكن. قال روكو بلهجة تجمع بين الواقعية والتحذير إن "الهجرة لا يمكن إدارتها، إنما فقط مراقبتها"، وهي جملة اختصرت تاريخًا طويلًا من التجارب الأوروبية، حيث تكرر المشهد نفسه: دول تشيّد الأسوار وتغلق الموانئ، لكن القوارب تستمر بالوصول والناس يواصلون رحلتهم مهما بلغت المخاطر. زيارة روكو إلى هلسنكي لم تكن مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة شمالية، بل بدت أقرب إلى محاولة دبلوماسية لفتح نقاش أعمق حول مستقبل أوروبا في مواجهة موجات الهجرة المتزايدة. الأرقام التي استند إليها لم تترك مجالًا للشك: منذ بداية هذا العام فقط، لقي ما يقارب سبعمئة شخص مصرعهم غرقًا في مياه البحر المتوسط، بينهم ثلاث فتيات شقيقات لا تتجاوز أعمارهن التاسعة والحادية عشرة والسابعة عشرة، غادرن قريتهن في رحلة بحث عن أمل ولم يعدن. قصص الغرق هذه لم تعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل صارت رمزًا مأساويًا لعجز السياسات الأوروبية عن توفير ممرات آمنة لمن يفرون من الحروب أو الفقر أو التغير المناخي. روكو، الذي خبر لسنوات عمل المنظمة الأممية في مناطق النزاعات والحدود، يعرف أن البحر لا يرحم، لكنه أيضًا يعرف أن البحر وحده لا يتحمل مسؤولية الموت، بل السياسات التي تدفع الناس إلى ركوب قوارب غير آمنة بحثًا عن منفذ إلى حياة جديدة.

في حديثه مع الصحفيين والمسؤولين، أوضح روكو أن ظاهرة الهجرة في جوهرها أعقد بكثير من مجرد حسابات أمنية أو اقتصادية. فالهجرة هي حركة بشرية تدفعها دوافع متنوعة: حروب تدمر مدنًا وتقتلع سكانها، أزمات اقتصادية خانقة تجعل الناس عاجزين عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، تغير مناخي يقضي على مصادر العيش في قرى بأكملها، ورغبة إنسانية أصيلة في البحث عن مستقبل أفضل. أمام هذا التنوع في الأسباب، يصبح من السذاجة الاعتقاد بأن إقامة جدار حدودي أو تشديد إجراءات التأشيرات سيوقف الظاهرة. وأكد أن المطلوب اليوم هو تعاون دولي أكثر عمقًا يقوم على الشراكات لا على العزلة، وعلى الانفتاح لا على الانغلاق. لكن كلماته لم تتوقف عند التوصيف العام، بل غاصت في التفاصيل التي تهم الدول الأوروبية وعلى رأسها فنلندا. فقد شدد على أن الهجرة القانونية في ارتفاع مستمر، وأن هذه الهجرة ليست تهديدًا كما يروّج لها البعض، بل فرصة اقتصادية واجتماعية. ففي وقت تواجه فيه أوروبا عجزًا كبيرًا في الأيدي العاملة، خاصة في قطاعات الصحة والرعاية والخدمات، تصبح الهجرة المنظمة موردًا أساسيًا لتعويض النقص. وأشار إلى أن التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي ودول المصدر بدأ يأخذ شكلًا جديدًا يقوم على تبادل المنافع، حيث تتيح أوروبا فرص عمل قانونية للمهاجرين، وفي المقابل تحصل على كفاءات يحتاج إليها سوقها.

روكو لم يتجاهل الوجه المظلم للسياسات الأوروبية المعاصرة. فقد تحدث بصراحة عن انتشار ما يُعرف بعمليات "الإرجاع القسري" أو "pushbacks"، حيث يُعاد طالبو اللجوء قسرًا إلى دول العبور أو حتى إلى بلدانهم الأصلية دون النظر الجدي في طلباتهم. مثل هذه الممارسات، بحسب تعبيره، ليست فقط مخالفة للقوانين الدولية، بل تُعيد إنتاج المأساة بطرق أشد قسوة. فعندما يُمنع الناس من الدخول عبر المعابر الرسمية، فإنهم يلجؤون إلى طرق أكثر خطورة، ويضعون أنفسهم في أيدي مهربين لا يعرفون الرحمة. التاريخ، كما قال، يثبت أن الأسوار قد تُبطئ حركة البشر لكنها لا توقفها أبدًا، وما لم تُفتح قنوات قانونية وآمنة، فإن أوروبا ستظل تعيش الحلقة المفرغة ذاتها. في فنلندا، حيث تمتد حدود طويلة مع روسيا تصل إلى أكثر من 1300 كيلومتر، تأخذ كلمات روكو بعدًا إضافيًا. فالنقاش الدائر اليوم في هلسنكي لا يتعلق فقط بالهجرة القادمة عبر البحر المتوسط، بل أيضًا بالحدود الشرقية التي أصبحت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا مسرحًا لتوترات أمنية. السلطات الفنلندية بنت جدارًا حدوديًا جديدًا وزادت من المراقبة الجوية والبرية تحسبًا لأي "استخدام للهجرة كسلاح سياسي". في هذا السياق، تُصبح تصريحات مسؤول أممي مثل روكو أكثر حساسية، إذ يذكّر بأن الهجرة ظاهرة إنسانية لا يمكن اختزالها إلى أداة أمنية أو سياسية.

اللافت في زيارة روكو أنه لم يلتق فقط بمسؤولي الدولة، بل أيضًا بممثلي المجتمع المدني ومنظمات اللاجئين. ففي لقاء مفتوح مع عدد من النشطاء، تحدث عن ضرورة أن تكون المجتمعات المحلية جزءًا من الحل، لأن نجاح أي سياسة للهجرة لا يعتمد فقط على القرارات الحكومية، بل على استعداد المجتمع لاستقبال الوافدين ودمجهم. وفي بلد مثل فنلندا، حيث يشكل المهاجرون نسبة متزايدة من القوى العاملة، يصبح تعزيز الاندماج مسألة لا تحتمل التأجيل. هنا جاءت رسالته واضحة: المهاجرون ليسوا مجرد أيدٍ عاملة، بل أشخاص يأتون بخبرات وثقافات يمكن أن تثري المجتمع إذا ما أُتيح لهم المجال. وفي معرض حديثه عن التحديات، لم يُنكر أن الهجرة تُثير مخاوف حقيقية لدى جزء من المواطنين الأوروبيين. فالبعض يرى فيها تهديدًا للهوية أو ضغطًا على الموارد العامة أو منافسة على الوظائف. لكنه دعا إلى التفريق بين المخاوف المشروعة والخطابات الشعبوية التي تستغل هذه المخاوف لتحقيق مكاسب سياسية. وأكد أن النقاش الصادق يجب أن يقوم على الحقائق: أن أوروبا تحتاج إلى مهاجرين، وأن إدارتهم بطريقة قانونية ومنظمة أفضل بكثير من تركهم تحت رحمة التهريب والفوضى.

أحد أهم الجوانب التي شدد عليها روكو هو البُعد الأخلاقي. فالهجرة ليست مجرد أرقام أو سياسات، بل قصص إنسانية لأشخاص اضطروا إلى اتخاذ قرارات صعبة. ذكر قصة عائلة سورية حاولت عبور البحر أربع مرات قبل أن تتمكن من الوصول إلى بر الأمان، وقصة شاب إفريقي فقد والده في الصحراء خلال الرحلة لكنه واصل الطريق وحده. مثل هذه القصص، بحسب قوله، يجب أن تظل حاضرة في أذهان صانعي القرار، لأنها تذكّر بأن وراء كل رقم إنسانًا له اسم وحياة وأحلام. مع انتهاء زيارته إلى هلسنكي، بدا أن رسالة روكو تركت أثرًا عميقًا في النقاش الفنلندي. ففي وسائل الإعلام، تناولت الصحف تصريحاته بوصفها تنبيهًا إلى أن فنلندا، مثل باقي أوروبا، لا تستطيع أن تعيش بمعزل عن العالم. موجات البشر التي تتحرك اليوم من الجنوب والشرق ليست ظاهرة عابرة، بل جزء من واقع عالمي سيتعاظم مع تصاعد الحروب وتغير المناخ وعدم الاستقرار الاقتصادي. والسؤال الذي يُطرح بإلحاح هو: هل تستطيع أوروبا أن تتحول من عقلية "التحصين" إلى عقلية "الشراكة"، وهل يمكن لفنلندا الصغيرة أن تجد لنفسها موقعًا في هذه المعادلة الكبرى؟ إن تصريحات روكو في هلسنكي لم تكن مجرد ملاحظات دبلوماسية، بل كانت أشبه بجرس إنذار يُذكّر القارة بأن الوقت يضيق، وأن التعامل مع الهجرة بعقلية رد الفعل لم يعد كافيًا. المستقبل يتطلب سياسات جديدة تقوم على الشجاعة والشفافية، تعترف بالواقع بدل إنكاره، وتبحث عن حلول إنسانية واقتصادية في آن واحد. وربما كانت كلماته الأكثر بلاغة هي تلك التي ختم بها حديثه: "الهجرة ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل واقع يحتاج إلى إدارة حكيمة وإنسانية".

📌 المصدر: Yle.fi