في 25 أكتوبر 2025، طرحت الحكومة الفنلندية مشروع قانونٍ جديد يُعيد تعريف مفهوم الأمن الوطني في ظلّ عضوية البلاد في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من خلال دمج قطاعي الصحة والرعاية الاجتماعية ضمن منظومة الأمن الشامل (kokonaisturvallisuus). يأتي هذا التوجّه كاستجابةٍ مباشرةٍ للتحوّلات الجيوسياسية التي رافقت انضمام فنلندا إلى الحلف عام 2023، والتي فرضت على الدولة التفكير في الأمن ليس فقط من منظورٍ عسكري، بل من زاويةٍ مجتمعيةٍ متكاملة تشمل الجاهزية المدنية وقدرة المجتمع على الصمود في الأزمات. ينصّ مشروع القانون الجديد على تعديل قانون تنظيم الخدمات الاجتماعية والصحية بحيث تُلزَم مناطق الرفاه (hyvinvointialueet) بدعم القوات المسلحة الفنلندية في حالات الأزمات والطوارئ، سواء أكانت عسكرية أو مدنية. وتؤكد الحكومة أن هذه المهمات ستُموَّل بالكامل من ميزانية الدولة، ولن تتحمل المناطق أي عبءٍ مالي إضافي. ويُعد هذا التعديل أول تشريعٍ صريح من نوعه يُحدّد التزامات الرعاية الاجتماعية تجاه مؤسسات الدفاع الوطني. وقد حظي المشروع بتأييدٍ واسع خلال جلسات لجنة الشؤون الاجتماعية والصحية في البرلمان، حيث رأت أغلبية الخبراء أن القانون الجديد «يُعزّز الثقة العامة في قدرة الدولة على العمل المنسّق أثناء الأزمات». تقول النائبة آنه رينتامكي من حزب الفنلنديين، التي دعمت المشروع بقوة، إن القانون «يُرسّخ الدور الحيوي لقطاع الصحة والرعاية الاجتماعية كجزءٍ من القدرة الدفاعية الوطنية»، مشيرةً إلى أن «الاستعداد للطوارئ لا يعني فقط تحصين الحدود، بل أيضًا حماية حياة المواطنين اليومية». وتضيف أن التعديل يضمن استمرار الخدمات الصحية والاجتماعية حتى في الظروف الاستثنائية، مما يمنح الناس الثقة بأن الدولة قادرة على حماية أمنهم المعيشي إلى جانب أمنهم العسكري.
ويأتي هذا التحول ضمن مفهومٍ فنلنديٍّ متطور يُعرف باسم kokonaisturvallisuus، أي الأمن الكلي، وهو فلسفةٌ تُوسّع فكرة الدفاع لتشمل الاقتصاد، والتعليم، والبنية التحتية، والصحة العامة، والبيئة. فالدروس المستخلصة من جائحة كورونا ومن الحرب الروسية الأوكرانية أقنعت صانعي القرار في هلسنكي بأن القدرة على الصمود المجتمعي (resilienssi) لا تُبنى فقط بالسلاح، بل أيضًا بالخدمات التي تُبقي المجتمع متماسكًا في وجه الأزمات الطويلة. ويشير نصّ المشروع إلى أن كل منطقة رفاهٍ ستكون ملزمة بوضع خطط استجابةٍ متكاملة تشمل التدريب، وتخصيص الموارد، وضمان استمرارية العمليات الحيوية مثل المستشفيات والرعاية الطارئة وخدمات الطفولة. كما يُلزم المشروع المسؤولين والعاملين في قطاع الصحة والرعاية الاجتماعية بالمشاركة في تمارين الاستعداد الوطني (valmiusharjoitukset)، وتلقّي تدريبٍ دوري حول التعامل مع الأزمات، بما في ذلك سيناريوهات الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية أو الانقطاعات في سلاسل الإمداد. وترى اللجنة البرلمانية أن هذه الخطوة ضرورية «لرفع كفاءة الاستجابة المحلية وضمان التنسيق العملي بين المستويات المدنية والعسكرية».
من الناحية المالية، نصّ القانون على أن جميع المهام الجديدة ستُموَّل تمويلاً كاملاً من الدولة عبر قرارٍ من مجلس الوزراء، وأنّ توزيع الموارد سيأخذ في الحسبان الفوارق الجغرافية واللوجستية، ولا سيما في شمال فنلندا حيث المسافات الطويلة وتدنّي الكثافة السكانية تجعل إدارة الأزمات أكثر صعوبة. كما دعت اللجنة إلى وضع نظامٍ خاص لتدريب مسؤولي مناطق الرفاه على التخطيط المالي للأزمات، لضمان استدامة البنية الصحية حتى في فترات الضغط الاقتصادي. وفي خطابٍ أمام البرلمان، أكدت النائبة بيا سيلانبا من حزب الفنلنديين أن الاستثمار في الصحة والرعاية الاجتماعية يجب أن يُعدّ جزءًا من ميزانية الدفاع الوطني، لأن «القدرة على الصمود الصحي والاجتماعي هي ركيزة الأمن الحقيقي». وأضافت أن الناتو يوصي بأن تبلغ ميزانيات الدفاع في الدول الأعضاء على الأقل 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن فنلندا تذهب أبعد من ذلك في رؤيتها المستقبلية، حيث تنص الخطة الوطنية على رفع مخصّصات الدفاع إلى 5٪ من الناتج المحلي بحلول عام 2035، منها 1.5٪ مخصصة للقطاعات غير العسكرية المرتبطة بالأمن الشامل، مثل الرعاية الصحية وإدارة الأزمات المدنية. ويُبرز هذا التوجّه أن الحكومة ترى في القطاع الصحي جزءًا من منظومة الدفاع لا مجرّد خدمة اجتماعية. فالمستشفيات والطواقم الطبية ومراكز الطوارئ تُعتبر اليوم مكوّناتٍ إستراتيجية يجب أن تبقى عاملة حتى في حالة الحرب أو الكوارث الكبرى. كما يُفترض أن تلعب المناطق دورًا مباشرًا في دعم القوات المسلحة عبر خدمات الإجلاء الطبي، والعلاج النفسي للمدنيين والعسكريين، وإدارة الموارد الحيوية كالدم والأدوية. ويؤكد المشروع أن التنسيق بين المؤسسات الصحية والدفاعية سيُدار على مستوى الدولة لضمان سرعة الاستجابة وتكامل المعلومات.
ويحظى هذا النهج بدعمٍ واسعٍ في الأوساط السياسية والفكرية الفنلندية، التي ترى أن التحديات العالمية – من التغير المناخي إلى التوترات الجيوسياسية والاعتماد الاقتصادي على الخارج – تُحتّم الانتقال من سياسة «الاستجابة للأزمة» إلى سياسة «الاستعداد الدائم». ففنلندا، التي لطالما اعتمدت على مبدأ الاعتماد الذاتي (omavaraisuus) في الغذاء والطاقة والدفاع، تسعى اليوم إلى ترجمة هذا المبدأ إلى بنيةٍ تشريعية تربط بين الأمن القومي ورفاه الفرد. وفي تحليلٍ ختامي للجنة الشؤون الاجتماعية والصحية، أُشير إلى أن القانون الجديد يحتاج إلى تطويرٍ مستمر حتى يتكيف مع التهديدات المتغيرة. ودعت اللجنة الحكومة إلى وضع برامج تدريبٍ وطنية للعاملين في الرعاية الصحية حول إدارة المخاطر والأمن السيبراني، وكذلك إلى تحديث البنى التحتية لضمان حماية البيانات الحساسة في حالات الطوارئ. كما شددت على أهمية دعم الكوادر البشرية في المناطق الريفية، حيث يمثل نقص الأطباء والممرضين تحديًا هيكليًا للأمن الصحي. بهذا المشروع، تؤكد فنلندا أن مفهوم الأمن الوطني لم يعد حكرًا على الجيش أو السياسة الخارجية، بل أصبح منظومة مجتمعية متكاملة تربط بين السلاح والمستشفى، وبين الاستعداد العسكري والاستقرار النفسي والاجتماعي. فالدولة التي واجهت في تاريخها القريب أزماتٍ اقتصادية وجيوسياسية تعرف أن البقاء لا يتحقق بالقوة فقط، بل بالثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسات. ولذلك فإن تعزيز جاهزية الرعاية الاجتماعية والصحية يُعدّ اليوم في فنلندا جزءًا من الدفاع عن الوطن بوسائل مدنية، تُجسّد قناعة عميقة بأن الأمن الحقيقي يبدأ من الإنسان ذاته.
