في خريف عام 2025، اجتمع في العاصمة الفنلندية هلسنكي عدد كبير من الخبراء والعلماء وصانعي القرار ضمن فعاليات منتدى Finnsight 2025 الذي نظمته مؤسسة Sitra وهيئة أكاديمية العلوم الفنلندية. لم يكن هذا اللقاء مجرد مؤتمر علمي تقليدي، بل كان منصة استشرافية لرسم ملامح فنلندا في العقود القادمة، حيث اجتمع أكثر من 1200 مشارك لمناقشة سؤال مركزي: كيف يمكن لبلد صغير في شمال أوروبا أن يبقى قادرًا على الابتكار والتكيف في عالم سريع التغيّر بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟ كان الطابع العام للمناقشات هذه المرة أكثر شمولًا من الدورات السابقة. فقد تجاوزت الجلسات مسألة التطورات التقنية لتشمل موضوعات تتعلق بمستقبل الحياة في المدن، والذكاء الصناعي، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الدائري، بل حتى القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تؤطر التحول الرقمي في المجتمع الفنلندي. ومنذ افتتاح المنتدى، بدا واضحًا أن الهدف لم يكن التنبؤ بالمستقبل فقط، بل محاولة صياغته عبر سياسات عملية تضع الإنسان في قلب التحول.
واحدة من أبرز القضايا التي حظيت بنقاش واسع كانت قدرة المدن الفنلندية على التكيف مع التغير المناخي. فوفقًا لتقديرات Sitra ، ستواجه فنلندا بحلول عام 2040 تحولات مناخية ملموسة، منها زيادة في معدل الأمطار بنسبة 15 % وتقلبات حرارية أكثر حدة بين الفصول. لذلك ركزت أوراق العمل على كيفية بناء مدن ذكية خضراء قادرة على إدارة الطاقة بكفاءة أعلى واستخدام البنى التحتية المستدامة. بلديات مثل تامبيري وتوركو عرضت تجاربها في التحول نحو شبكات نقل خالية من الانبعاثات، فيما عرضت إسبو نموذجها في إنشاء أحياء تعتمد بالكامل على الطاقة الشمسية والحرارية المتجددة. جانب آخر لفت الأنظار في المنتدى هو النقاش حول التحول الرقمي والذكاء الصناعي. فالمتحدثون الفنلنديون أكدوا أن نجاح أي دولة في هذا المجال لا يُقاس فقط بعدد الشركات الناشئة أو التطبيقات، بل بمدى التزامها بالقيم الإنسانية والشفافية. في هذا السياق، دعا البروفيسور Timo Honkel من جامعة هلسنكي إلى تطوير ما سماه “ذكاءً صناعيًا أخلاقيًا”، أي أنظمة رقمية لا تركز على الربح فقط، بل تأخذ في الاعتبار أثر قراراتها على الخصوصية والعدالة الاجتماعية. وقد تفاعلت الحكومة الفنلندية مع هذا الطرح من خلال إعلانها عن إطلاق برنامج وطني جديد تحت عنوان “AI for Good Finland”، يهدف إلى تدريب 30 ألف موظف في القطاعين العام والخاص على تطبيقات الذكاء الصناعي المسؤولة. أما البعد الاجتماعي للمنتدى فقد كان حاضراً بقوة، إذ طُرح سؤال جوهري: هل يستطيع المجتمع الفنلندي الحفاظ على تماسكه في ظل التغيرات السريعة؟. تشير دراسات Sitra إلى أن الشباب الفنلنديين باتوا أكثر قلقًا من المستقبل، وأن نسبة من يشعرون بانعدام الأمان الوظيفي ارتفعت إلى 42 % عام 2025 مقارنة بـ 33 % قبل خمس سنوات. لذا دعت التوصيات إلى تعزيز التعليم المستمر والتدريب المهني كحق أساسي للجميع، حتى لا يتحول التحول التكنولوجي إلى مصدر تهميش.
في جلسة خاصة حملت عنوان “فنلندا المتعددة الثقافات 2035”، ناقش المشاركون تحديات التنوّع الديموغرافي وضرورة دمج المهاجرين والناطقين بلغات أخرى ضمن سوق العمل والمعرفة. وقد أشار ممثلو البلديات الكبرى إلى أن اللغة تبقى العقبة الأبرز أمام هذا الاندماج، وأن الرقمنة يمكن أن تكون أداةً لتجاوزها من خلال توفير خدمات رقمية متعددة اللغات في القطاعات التعليمية والاجتماعية. في هذا السياق، عرض أحد الباحثين تجربة تعاون بين بلدية هلسنكي ومنصات إعلامية مثل Arabi.fi لترجمة المعلومات الحكومية إلى العربية والفارسية والصومالية، في خطوة تهدف إلى تمكين المقيمين الجدد من المشاركة الفاعلة في المجتمع الفنلندي. من الناحية الاقتصادية، سلّط المنتدى الضوء على فرص الاقتصاد الأخضر باعتباره محرك النمو القادم. فوفقًا لتقديرات وزارة الاقتصاد الفنلندية، يمكن للتحول إلى الطاقة النظيفة وإعادة التدوير أن يخلق أكثر من 100 ألف وظيفة جديدة بحلول 2030. الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل نحو 99 % من قطاع الأعمال الفنلندي، حثّت الحكومة على توفير حوافز ضريبية للمشاريع الخضراء، بينما طالب ممثلو الجامعات بتوسيع برامج البحث التطبيقي في مجالات البطاريات الحيوية والهيدروجين الأخضر. كما تناولت إحدى جلسات المنتدى موضوع “الثقة كمورد وطني”، وهي فكرة فريدة في السياق الفنلندي، إذ تُعد الثقة بين المواطن والدولة أحد أعمدة النموذج الاجتماعي في البلاد. وقد ناقش الباحثون كيفية الحفاظ على هذا الرأسمال الاجتماعي في عصر تنتشر فيه المعلومات المضللة بسرعة. وأوصى المشاركون بإنشاء آلية وطنية للتحقق من الأخبار بالتعاون بين الإعلام والجامعات، حتى تبقى الحقيقة قيمة مشتركة لا مجال لتسييسها.
اللافت أن منتدى Finnsight 2025 لم يقتصر على النخب الأكاديمية، بل فتح الباب أمام المواطنين للمشاركة عبر منصات رقمية تفاعلية. فقد أُطلقت حملة بعنوان #TulevaisuusOnMeidän (“المستقبل لنا”) دُعي من خلالها الفنلنديون إلى إرسال أفكارهم ومقترحاتهم حول تحسين جودة الحياة في مدنهم. أكثر من 10 آلاف مشاركة وصلت خلال أسبوعين فقط، شملت أفكارًا تتعلق بالنقل العام، وزراعة الأسطح الخضراء، وتبسيط الخدمات الحكومية الرقمية. هذا التفاعل الشعبي عكس روح المشاركة التي تميز التجربة الفنلندية في صياغة السياسات العامة، حيث لا يُنظر إلى المواطن كمستفيد فحسب، بل كشريك في صناعة المستقبل. شدد رئيس Sitra Antti Kauppinen على أن “فنلندا تمتلك ما هو أهم من الموارد الطبيعية: رأس مالها البشري والاجتماعي، وثقافة الثقة التي تربط بين العلم والسياسة والمجتمع”. وأضاف أن الهدف من Finnsight ليس رسم صورة مثالية للمستقبل، بل بناء استعداد جماعي للتعامل مع المجهول بطريقة تعاونية وعادلة. لقد أظهر منتدى Finnsight 2025 أن فنلندا، رغم صغر حجمها وعدد سكانها الذي لا يتجاوز ستة ملايين، قادرة على أن تكون مختبرًا عالميًا للأفكار المستقبلية، وأن التحديات الكبرى – من المناخ إلى التكنولوجيا إلى التعدد الثقافي – يمكن أن تتحول إلى فرص إذا وُجهت بإرادة مشتركة ومعرفة راسخة. هذه الروح الفنلندية القائمة على الحوار، والاستشراف، والثقة المتبادلة، ربما هي ما يجعل البلاد قادرة على المضي قدمًا بثبات نحو 2035 دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو توازنها الاجتماعي.
المصادر:
مؤسسة Sitra – تقرير منتدى Finnsight 2025 “ماذا بعد؟”.
هيئة أكاديمية العلوم الفنلندية (VA) – ورشة التحول الرقمي 2025.
هيئة الإحصاء الفنلندية – بيانات سوق العمل والتعليم 2025.
Yle Uutiset – تغطية منتدى Finnsight 2025 بتاريخ 30 أكتوبر 2025.
