تقدم دائرة الهجرة الفنلندية في تحديثها المنشور في 29 يونيو/حزيران 2026 صورة رقمية مركبة لاتجاهات الهجرة إلى فنلندا خلال عامي 2026 و2027. ولا تقوم هذه الصورة على حدث واحد أو مسار واحد، بل على مجموعة من المؤشرات التي تشمل طلبات تصاريح الإقامة الأولى على أساس العمل، وطلبات تصاريح الإقامة الأولى على أساس الدراسة، وطلبات اللجوء الأولى، وطلبات الحماية المؤقتة المخصصة للفارين من أوكرانيا. ومن خلال هذه المؤشرات، يظهر أن الهجرة إلى فنلندا لا تتحرك في اتجاه واحد: فالهجرة المرتبطة بالعمل تتجه إلى نمو معتدل بعد سنوات من التراجع، بينما تتراجع طلبات الطلاب، وتبقى طلبات اللجوء عند مستوى منخفض، وتستمر الحاجة إلى الحماية المؤقتة ضمن نطاق واضح من التقديرات. يعتمد هذا التحديث على عمل “شبكة الاستشراف” التابعة لدائرة الهجرة الفنلندية، وهي مجموعة خبراء تجتمع ثلاث مرات في السنة لتكوين تقديرات كمية ونوعية بشأن الهجرة واللجوء الموجهين إلى فنلندا. وتوضح دائرة الهجرة أن هذه التقديرات تُعد بالتعاون مع جهات معنية مختلفة، وأن تنسيق هذا العمل يقع على عاتق دائرة الهجرة. وتغطي التقديرات المحدّثة لعامي 2026 و2027 طلبات العمال والطلاب وطالبي اللجوء الأولى، إضافة إلى أعداد الحماية المؤقتة.
أهمية هذا النوع من التقديرات لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الطريقة التي تكشف بها الأرقام عن تغير موقع فنلندا في حركة الهجرة الدولية. فالبلاد لا تواجه حالياً موجة لجوء مرتفعة وفق تقديرات دائرة الهجرة، لكنها في الوقت نفسه لا تنفصل عن الحاجة إلى اليد العاملة الأجنبية، ولا عن تأثيرات قرارات التعليم والرسوم الجامعية على جذب الطلاب الدوليين، ولا عن استمرار الحرب في أوكرانيا وما يرتبط بها من حماية مؤقتة. ومن هنا تبدو الهجرة، في القراءة الرسمية، مجالاً يتأثر في الوقت نفسه بالاقتصاد، وسوق العمل، والسياسات التعليمية، والأوضاع الدولية، وتغيرات سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي. أبرز ما في التحديث الجديد هو عودة طلبات تصاريح الإقامة على أساس العمل إلى النمو بعد تراجع استمر عدة سنوات. فقد قُدّم في فنلندا خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2026 ما مجموعه 6156 طلباً أولياً لتصاريح إقامة قائمة على العمل، بزيادة قدرها 16 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وتقدر دائرة الهجرة أن عدد الطلبات في عام 2026 سيصل إلى ما بين 11 ألفاً و13 ألف طلب، وأن يرتفع في عام 2027 إلى ما بين 12 ألفاً و14 ألف طلب.
هذا النمو لا يوصف في النص الرسمي بأنه قفزة واسعة، بل باعتباره نمواً معتدلاً. وتربطه دائرة الهجرة بعوامل محددة، أبرزها المشاريع الصناعية الجارية في قطاعات السفن وأحواض بناء السفن ومراكز البيانات، وهي مشاريع جرى فيها توظيف عمالة أجنبية. وتذكر الدائرة أن أثر هذه المشاريع يظهر خصوصاً في مناطق جنوب غرب فنلندا، وساتاكونتا، وكومنلاكسو. وبذلك لا تعرض الأرقام بوصفها مؤشراً وطنياً عاماً فحسب، بل تربطها أيضاً بجغرافيا اقتصادية داخل فنلندا، حيث تبدو بعض المناطق أكثر تأثراً بالطلب على العمالة الأجنبية بسبب طبيعة المشاريع الصناعية القائمة فيها. يظهر من هذا الربط أن الهجرة القائمة على العمل لا ترتبط فقط بسياسة الهجرة، بل بالطلب الفعلي في القطاعات الاقتصادية. فحين تتحرك مشاريع صناعية كبيرة، تنشأ حاجة إلى عمالة خارجية، وتظهر هذه الحاجة في أرقام طلبات تصاريح الإقامة. وتقول دائرة الهجرة إن النمو المعتدل في الطلبات خلال عام 2027 ممكن إذا كان تطور الاقتصاد الفنلندي مواتياً. وفي المقابل، تذكر أن استمرار عدم اليقين الاقتصادي يجعل التنبؤ بالهجرة القائمة على العمل أكثر صعوبة.
هذا التوازن في الصياغة مهم: فدائرة الهجرة لا تقدم الزيادة المتوقعة كمسار مضمون بلا شروط، بل تربطها بحالة الاقتصاد الفنلندي. وتوضح في صفحة التقديرات المستقبلية أن تطور طلبات الإقامة على أساس العمل يعتمد أساساً على تطور الاقتصاد. ومع ذلك، تضيف أن شيخوخة السكان في فنلندا ونقص الكفاءات يخلقان حاجة إلى العمالة الأجنبية، ولهذا يُتوقع أن تعود طلبات تصاريح الإقامة القائمة على العمل إلى النمو عندما تستقر الدورة الاقتصادية. بهذا المعنى، تكشف الأرقام عن مفارقة فنلندية واضحة: الاقتصاد الضعيف أو غير المستقر قد يحد من طلبات العمل على المدى القصير، لكن التغيرات السكانية ونقص اليد العاملة يظلان عاملين يدفعان نحو الحاجة إلى الهجرة على المدى الأبعد. وتذكر دائرة الهجرة عوامل مؤثرة في عدد طلبات العمل الأولى، منها ضعف الظرف الاقتصادي ومدته، وتطور شبكات التوظيف الدولية، والبرامج الوطنية، وتراجع عدد السكان في سن العمل، ومشكلة عدم التوافق في سوق العمل. وهذه العناصر تجعل ملف هجرة العمل مرتبطاً ببنية سوق العمل نفسها، لا فقط بقرارات فردية لأصحاب العمل أو المتقدمين.
في المقابل، يبدو مسار الطلاب الدوليين مختلفاً. فقد خفضت دائرة الهجرة تقديرها لطلبات تصاريح الإقامة القائمة على الدراسة. وتشير الأرقام إلى أن الطلبات الأولى على أساس الدراسة بلغت 3534 طلباً خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2026، أي أقل بنسبة 25 في المئة من الفترة نفسها من العام السابق. ووفق التقدير المحدّث، تتوقع الدائرة أن يبلغ عدد طلبات الطلاب في عام 2026 ما بين 11 ألفاً و12 ألف طلب، وأن يبقى في عام 2027 عند المستوى نفسه. تفسر دائرة الهجرة هذا الانخفاض بعدة عوامل محتملة. أولها رسم طلب قدره 100 يورو أُدخل في بداية عام 2025 ضمن نظام التقديم المشترك للجامعات. وثانيها الرسوم الدراسية الكاملة التكلفة التي تدخل حيز التنفيذ في خريف 2026. وثالثها وضع سوق العمل الفنلندي الصعب. وتجمع هذه العوامل بين تكلفة الدخول إلى مسار التعليم، وكلفة الدراسة نفسها، وتوقعات الطالب بشأن فرص العمل والإقامة والحياة بعد الدراسة. وتشير الدائرة إلى أن الدول الآسيوية ظلت، كما في السنوات السابقة، بارزة بين المتقدمين بطلبات تصاريح الإقامة للطلاب خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026. لكنها لا تربط ذلك في النص بتفصيلات إضافية عن دولة بعينها أو تحول محدد داخل آسيا. ويظل المعطى الأساسي هنا هو أن النمو الذي شهدته طلبات الطلاب في السنوات السابقة قد توقف، وأن الاتجاه الحالي لا يشير إلى زيادة في السنوات القريبة.
الدلالة العملية لهذا التراجع تتصل بصورة فنلندا كبلد دراسة وإقامة. فدائرة الهجرة تذكر أن تطور طلبات الطلاب يتأثر بعدد أماكن القبول في البرامج الدولية، وبالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دول المنشأ الرئيسية، وبوضع سوق العمل الفنلندي، وبجاذبية فنلندا كبلد للدراسة والعيش. وهذه العوامل تجعل الطالب الدولي لا ينظر إلى الجامعة وحدها، بل إلى الحزمة الكاملة: الكلفة، وفرصة العمل، وإمكان بناء حياة مستقرة، ومدى جاذبية البلد مقارنة ببدائل أخرى. ومن خلال الجمع بين مساري العمل والدراسة، تظهر ملامح تحول مهم: فنلندا قد تشهد نمواً معتدلاً في الهجرة المرتبطة بالعمل، لكنها في الوقت نفسه تفقد شيئاً من زخم الهجرة المرتبطة بالدراسة. وهذا يعني أن قنوات الدخول إلى فنلندا لا تتغير بالوتيرة نفسها. فمسار العمل يتأثر بالمشاريع الصناعية والحاجة إلى العمالة، بينما يتأثر مسار الدراسة بالرسوم والتكاليف وجاذبية سوق العمل بعد التخرج. وفي الحالتين، لا تكون سياسة الهجرة وحدها هي العامل الحاسم، بل تتداخل معها السياسة التعليمية والاقتصاد وسوق العمل. أما في مجال اللجوء، فتقدم دائرة الهجرة صورة أكثر هدوءاً من الناحية الرقمية. فقد قُدّم في فنلندا خلال يناير إلى مايو 2026 ما مجموعه 717 طلب لجوء أول، أي أقل بنسبة 7 في المئة من الفترة نفسها في العام السابق. وتقدر الدائرة أن عدد طلبات اللجوء الأولى في عامي 2026 و2027 سيبقى بين 1500 و2500 طلب سنوياً. وتذكر أن أعداد طلبات اللجوء في فنلندا وفي الدول الإسكندنافية الأخرى انخفضت وفق الاتجاه العام في الاتحاد الأوروبي.
وتوضح صفحة التقديرات المستقبلية أن طلبات اللجوء في منطقة الاتحاد الأوروبي الموسعة، التي تشمل دول الاتحاد والنرويج وسويسرا، بلغت في الفترة من يناير إلى مارس 2026 أقل بقليل من 180 ألف طلب، بانخفاض قدره نحو 17 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتربط دائرة الهجرة انخفاض الطلبات في فنلندا بعوامل عدة، منها تراجع أعداد طالبي اللجوء، وتشدد سياسة الهجرة في منطقة الاتحاد الأوروبي، ووجود رقابة داخلية على الحدود البرية في عدة دول داخل منطقة شنغن. في الوقت ذاته، لا تنفي الدائرة استمرار عوامل الدفع في المناطق القريبة من الاتحاد الأوروبي، مثل النزاعات، وعدم الاستقرار المجتمعي في بلدان المنشأ، وضيق الآفاق الاقتصادية. لكنها تشير إلى أن بعض أوضاع بلدان المنشأ تحسنت، وأن الوصول إلى منطقة الاتحاد الأوروبي ظل محدوداً، وهو ما ساهم في استمرار الاتجاه النزولي لطلبات اللجوء داخل الاتحاد. كما تذكر أن التقديرات لا تشمل العمليات المرتبطة بتوظيف الهجرة كأداة ضغط، وأن الاستعداد لمثل هذه العمليات جزء من أعمال الجاهزية والتأهب في إدارة الشؤون الداخلية.
هذا التفصيل يضع تقديرات اللجوء في إطار حذر. فالرقم المتوقع منخفض نسبياً، ولا ترى دائرة الهجرة عوامل منظورة تجعل عدد الطلبات يرتفع كثيراً في 2026 و2027، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى وجود عدم يقين. فالتغيرات المفاجئة في دول المنشأ أو دول العبور الرئيسية قد تنتج آثاراً غير متوقعة تمتد حتى فنلندا. ولهذا لا يقدم النص الرسمي انخفاض طلبات اللجوء كحقيقة ثابتة بلا مخاطر، بل كتقدير مبني على الوضع المعروف في لحظة التحديث. أما الحماية المؤقتة للفارين من أوكرانيا فتستمر كمسار مستقل داخل الصورة العامة للهجرة. فقد قُدّم خلال يناير إلى مايو 2026 ما مجموعه 3215 طلب حماية مؤقتة، أي أقل بنسبة 3 في المئة من الفترة نفسها من العام السابق. وتقدر دائرة الهجرة أن يصل إلى فنلندا في كل من عامي 2026 و2027 ما بين 8000 و10 آلاف طالب حماية مؤقتة. وتضيف أن عدد الطلبات ظل مستقراً خلال العام الجاري، وأنه من المتوقع أن يزداد خلال الصيف مع وصول عمال موسميين أوكرانيين إلى فنلندا.
وتذكر دائرة الهجرة أن تقدير أعداد القادمين من أوكرانيا يتأثر بعدة عوامل، منها مدة الحرب ونطاقها، وتطور الوضع الإنساني في أوكرانيا، وضغط القدرة الاستيعابية في الدول المجاورة لأوكرانيا ودول البلطيق، والتغييرات الوطنية في الضمان الاجتماعي أو شروط الحماية المؤقتة في الدول الرئيسية المستقبلة للأوكرانيين. وتؤكد أن تقدير وضع أوكرانيا وأعداد طالبي الحماية المؤقتة القادمين إلى فنلندا يتضمن كثيراً من عوامل عدم اليقين. وإذا استمر الوضع العسكري من دون تغير، فمن المرجح استمرار حركة الأوكرانيين داخل منطقة الاتحاد الأوروبي. وتبقى الحماية المؤقتة، بحسب الصفحة الرسمية، سارية حتى مارس/آذار 2027. تسمح هذه الأرقام برؤية الهجرة إلى فنلندا في طبقات متعددة. الطبقة الأولى هي هجرة العمل، وهي ترتبط بالحاجة الاقتصادية والمشاريع الصناعية وشيخوخة السكان ونقص المهارات. الطبقة الثانية هي هجرة الدراسة، وهي تتأثر بتكاليف التقديم والدراسة، وبوضع سوق العمل، وبجاذبية فنلندا كبلد دراسة وإقامة. الطبقة الثالثة هي اللجوء، الذي يبقى عند مستوى منخفض وفق تقديرات 2026 و2027، متأثراً بالاتجاه الأوروبي العام وبسياسات الهجرة والحدود. والطبقة الرابعة هي الحماية المؤقتة، التي تبقى مرتبطة مباشرة بمسار الحرب في أوكرانيا وبالسياسات المتبعة في الدول الأوروبية المستقبلة.
واللافت أن الأرقام لا ترسم صورة توسع شامل ولا صورة انكماش شامل. فهناك زيادة في مجال، وتراجع في مجال آخر، واستقرار منخفض في مجال ثالث، واستمرار مرتبط بأزمة دولية في مجال رابع. وهذا يجعل الحديث عن “الهجرة إلى فنلندا” ككتلة واحدة أمراً غير دقيق. فكل قناة من قنوات الهجرة لها منطقها الخاص، ومؤشراتها الخاصة، وعوامل الدفع والجذب التي تحكمها. من زاوية الإدارة العامة، تساعد هذه التقديرات دائرة الهجرة والجهات المعنية على الاستعداد لحجم الطلبات المتوقع. فإذا كانت طلبات العمل مرشحة للارتفاع المعتدل، فهذا يعني أن مسارات معالجة تصاريح العمل تظل مجالاً مهماً للمتابعة. وإذا كانت طلبات الطلاب تتراجع، فإن ذلك يشير إلى تغير في جاذبية التعليم الدولي أو في شروطه الاقتصادية. وإذا بقيت طلبات اللجوء منخفضة، فإن ذلك يؤثر في التخطيط المرتبط بإجراءات الحماية الدولية. وإذا استمرت الحماية المؤقتة ضمن نطاق 8000 إلى 10 آلاف سنوياً، فإن ذلك يبقي أوكرانيا عاملاً حاضراً في منظومة الهجرة والاستقبال. ومن زاوية المجتمع الفنلندي، تبرز أرقام العمل والدراسة بوصفهما مؤشرين على علاقة فنلندا بالخارج في مجالي الاقتصاد والمعرفة. فالنمو في طلبات العمل يعكس حاجة قائمة أو متوقعة إلى العمالة الأجنبية في قطاعات ومناطق محددة. أما تراجع طلبات الطلاب فيشير إلى أن سياسات الرسوم والتكاليف وسوق العمل قد تؤثر في قدرة فنلندا على جذب طلاب دوليين. ولا تقدم دائرة الهجرة حكماً سياسياً على هذه التحولات، لكنها تعرض عناصرها الرقمية والسببية بما يكفي لفهم أن جاذبية البلد ليست ثابتة، بل تتغير مع الرسوم والفرص الاقتصادية والتشريعات والأوضاع العالمية.
المصادر
Maahanmuuttovirasto: “Maahanmuuton tulevaisuusarviot: työperusteisiin oleskelulupiin odotetaan kasvua, opiskelijoiden määrä laskussa”،
https://migri.fi/-/maahanmuuton-tulevaisuusarviot-tyoperusteisiin-oleskelulupiin-odotetaan-kasvua-opiskelijoiden-maara-laskussa
Maahanmuuttovirasto: “Arvio tulevaisuuden hakemusmääristä”،
https://migri.fi/tulevaisuusarviot
