التحقيقات والدراسات
6 دقائق قراءة

| كيف يصبح بعض المقيمين "غير مرئيين" رغم وجودهم في الإحصاءات؟ حكاية اللغات والتمثيل في المجتمع الفنلندي

تتيح الهيئة عادةً ثلاثة طرقٍ للإجابة عبر الإنترنت، أو الهاتف أو نموذجٍ ورقي مرسل بالبريد. ويُعدّ الإنترنت الخيار الأسهل لمن لا يجيد اللغات الرسمية جيدًا، لأنه يتيح وقتًا كافيًا للاستعانة بأدوات الترجمة

Omar Al-Harbi
Omar Al-Harbi
كاتب المقال
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
| كيف يصبح بعض المقيمين "غير مرئيين" رغم وجودهم في الإحصاءات؟ حكاية اللغات والتمثيل في المجتمع الفنلندي

في نهاية عام 2024، كان في فنلندا أكثر من 610 ألف شخصٍ يتحدثون لغةً غير الفنلندية أو السويدية أو السامية كلغةٍ أمّ، أي ما يعادل نحو 11٪ من السكان، وفقًا لهيئة الإحصاء الفنلندية (stat.fi). هذه المجموعة، التي تُعرف في الإحصاءات باسم «الناطقين بلغاتٍ أجنبية» (vieraskieliset)، ليست كتلةً واحدة متجانسة كما قد توحي التسمية، بل طيفٌ واسع من البشر الذين وُلد بعضهم في فنلندا ويتحدث آخرون لغتها بطلاقة، ويختلفون في الخلفيات، والتجارب، والمواطنة، والهوية. ومع ذلك، يواجه هذا الطيف الواسع مشكلة الظهور في الدراسات الاستقصائية، إذ يُشار إليهم كمشاركين في الإحصاءات الرسمية، لكنهم في الممارسة قد يظلون غير مرئيين في التفاصيل.

توضّح هيئة الإحصاء الفنلندية في مقالتها المنشورة في 21 أكتوبر 2025 أن مشكلة «اللا-رؤية» لا تتعلق بالإحصاءات الأساسية القائمة على السجلات الإدارية، لأن هذه السجلات تشمل كل من يقيم في فنلندا بغض النظر عن اللغة أو الجنسية أو بلد الميلاد. لكن الصعوبة تظهر في الدراسات العيّنية والاستطلاعية التي تعتمد على عيناتٍ من السكان. ففي هذه الأبحاث، يشارك الناطقون بلغات أجنبية فعلاً، لكن معدلات مشاركتهم تبقى أدنى من باقي السكان، ما يجعل الصورة الإحصائية عنهم أقل وضوحًا ودقة. عند إعداد العينات، تختار هيئة الإحصاء أفرادًا يمثلون المجتمع الفنلندي وفق معايير مثل العمر، الجنس، اللغة الأم، والمنطقة، ويُرسل الاستبيان بثلاث لغاتٍ فقط الفنلندية، السويدية، والإنجليزية. اختيار الإنجليزية مبررٌ لأنها لغةٌ وسيطة شائعة، لكنها لا تصلح للجميع. فالكثير من المقيمين الناطقين بلغاتٍ أجنبية يتحدثون الفنلندية أو السويدية بمستوىٍ وظيفي، بينما يجد آخرون صعوبةً في أيٍّ من اللغات الثلاث. وهكذا تصبح اللغة حاجزًا خفيًا: فالشخص موجودٌ في العينة لكنه لا يشارك، ليس لأنه غير مهتم، بل لأنه لا يستطيع فهم الأسئلة أو التعبير عن نفسه بدقة. ولا يمكن لهيئة الإحصاء أن تترجم الاستبيانات إلى كل اللغات التي تُستخدم في فنلندا، والتي يتجاوز عددها المئة، رغم أن بعض الاستثناءات حدثت، مثل دراسة عام 2014 عن العمل والرفاه للأشخاص ذوي الأصل الأجنبي، التي قُدِّمت فيها الاستمارات بعشر لغاتٍ مختلفة (stat.fi).

تتيح الهيئة عادةً ثلاثة طرقٍ للإجابة: عبر الإنترنت، أو الهاتف، أو نموذجٍ ورقي مرسل بالبريد. ويُعدّ الإنترنت الخيار الأسهل لمن لا يجيد اللغات الرسمية جيدًا، لأنه يتيح وقتًا كافيًا للاستعانة بأدوات الترجمة. أما المقابلات الهاتفية، وإن كانت متاحة، فهي تُجرى بالفنلندية أو السويدية أو الإنجليزية فقط، ما قد يحدّ من المشاركة. ورغم أن الهيئة تدرب موظفيها على الحساسية اللغوية والثقافية، يبقى هذا القيد اللغوي تحديًا دائمًا في مسوحٍ تهدف إلى الشمول والتمثيل. الأرقام تُظهر الفجوة بوضوح: ففي مسح القوى العاملة لعام 2024، شملت العينة نحو 141 ألف شخصٍ يتحدثون إحدى اللغتين الوطنيتين، وقرابة 15 ألفًا من الناطقين بلغاتٍ أجنبية، بما يتناسب مع نسبهم السكانية. ومع ذلك، بلغت نسبة الاستجابة 57٪ بين الناطقين باللغات الوطنية مقابل 46٪ فقط بين الناطقين بلغاتٍ أجنبية. والسبب لا يقتصر على اللغة؛ فالثقة أيضًا عاملٌ أساسي. فبعض المقيمين القادمين من دولٍ ذات تاريخٍ معقد مع السلطات قد يشعرون بالتحفّظ تجاه أي جهةٍ تجمع بياناتٍ شخصية. آخرون ببساطة لا يدركون أن المشاركة في الاستطلاعات جزءٌ من آلية صنع القرار في الدولة الديمقراطية، وليست مجرد استقصاءٍ بيروقراطي. وهكذا تمتزج اللغة، والثقة، والمعرفة المدنية لتنتج غيابًا جزئيًا عن المشهد الإحصائي.

يضاف إلى ذلك عاملٌ تقني آخر صِغر حجم العينات داخل المجموعات اللغوية. فحين يشارك مثلًا عشرات الأشخاص فقط من مجموعةٍ لغويةٍ معينة، يصعب إحصائيًا استخراج نتائج تمثيلية يمكن تعميمها. ولأسباب الخصوصية، تمتنع الهيئة عن نشر بياناتٍ عن مجموعاتٍ صغيرة جدًا لتجنّب التعريف غير المقصود بالأفراد. ولهذا تُدمَج المجموعات أحيانًا في فئةٍ عامة تُسمّى «الناطقون بلغاتٍ أجنبية»، وهو تصنيفٌ عملي لكنه يُفقد التحليل دقته. فحين ندمج العربية مع الروسية أو الفارسية أو التايلاندية، نفقد الفوارق الثقافية والاجتماعية التي تجعل تجربة كل مجموعةٍ مختلفة. ومع ذلك، فإن الإحصاء لا يملك بديلًا أفضل في ظل ندرة البيانات وضرورة حماية الخصوصية. من هنا تنشأ المفارقة الناطقون بلغاتٍ أجنبية موجودون في الإحصاءات الرسمية، لكنهم قد يبدون «غير مرئيين» في تفاصيل الاستطلاعات التي تعتمد على المشاركة الطوعية. ويُفسَّر هذا أحيانًا خطأً على أنه إهمالٌ لهم كمجموعةٍ سكانية، بينما الحقيقة أن المشكلة تقنية ومنهجية أكثر مما هي تمييزٌ مؤسسي. فالحصول على بياناتٍ دقيقة عن مجموعةٍ متنوعةٍ صغيرة الحجم ومتعددة اللغات مهمةٌ معقدة تتطلب وقتًا وتمويلًا كبيرين، خصوصًا في ظل خفض الميزانيات الحكومية الأخيرة التي جعلت كل مبادرةٍ جديدة موضع مراجعةٍ دقيقة (stat.fi).

تطرح هيئة الإحصاء في هذا السياق تساؤلًا عمليًا: كيف يمكن تحسين تمثيل هذه الفئة دون الإخلال بمعايير الدقة والميزانية؟ أحد الحلول الممكنة هو توسيع نطاق اللغات المتاحة في الاستبيانات، لكنه حلٌّ مكلفٌ يتطلب ترجمةً مهنية عالية الجودة لضمان الموثوقية وقابلية المقارنة بين اللغات. وهناك اقتراحاتٌ أخرى، مثل استخدام أدواتٍ رقميةٍ تفاعلية تتيح الترجمة الفورية أو تفعيل التعاون مع منظمات المجتمع المدني للمساعدة في الوصول إلى المشاركين. غير أن كل هذه البدائل تصطدم بمحدودية الموارد وبالتراجع العالمي في معدلات المشاركة في الاستطلاعات، وهو اتجاهٌ لا يقتصر على فنلندا. فحتى بين السكان الناطقين بالفنلندية، انخفضت معدلات المشاركة خلال العقدين الماضيين بسبب الانشغال وضيق الوقت أو اللامبالاة العامة تجاه البحوث الرسمية. من منظورٍ أوسع، تثير هذه الظاهرة نقاشًا حول مفهوم «المرئية» في مجتمعٍ يعتز بالدقة الإحصائية. فأن تكون موجودًا في السجلات لا يعني بالضرورة أن تكون مرئيًا في التحليل، لأن الظهور في الأرقام يحتاج إلى المشاركة، والمشاركة تتطلب لغةً وثقةً ومعرفةً بوظيفة الإحصاء في الدولة. إنّ بناء هذه الثقة مسؤوليةٌ مزدوجة: على المؤسسات أن تبسّط أدواتها وتنوّع لغاتها، وعلى الأفراد أن يدركوا أن المشاركة ليست مجاملةً، بل مساهمةٌ في رسم السياسات التي تمس حياتهم اليومية. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، تؤكد هيئة الإحصاء الفنلندية أنها تجمع وتُنشر بياناتٍ شاملة عن الناطقين بلغاتٍ أجنبية كلما سمحت الظروف، وأن من يرغب في الاطلاع عليها يمكنه الوصول إليها بسهولة عبر موقعها الإلكتروني بكتابة كلمة البحث "vieraskieliset". ويشير الكاتبان هينا أتيلا وكيرستي بوهينبا من الهيئة إلى أن هذه الجهود ليست مجرد تحسينٍ تقني، بل جزءٌ من التزامٍ ديمقراطي أعمق يهدف إلى ضمان أن يُمثَّل كل من يعيش في فنلندا في الأرقام التي تصفها، لأن الإحصاءات في هذا البلد ليست أداة مراقبة، بل مرآةٌ للواقع، والعدالة تبدأ حين يرى كل فردٍ انعكاسه فيها (stat.fi).