الاندماج والعمل
6 دقائق قراءة

كيف تريد فنلندا تعليم ريادة الأعمال والثقافة المالية للأجيال القادمة؟

فالتغيرات المتسارعة في سوق العمل، والانتقال نحو اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الابتكار والمعرفة، وتزايد أهمية المبادرة الفردية والعمل التعاوني، دفعت وزارة التعليم والثقافة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُقدم بها مفاهيم ريادة الأعمال داخل النظام التعليمي

Ali al-Tamimi
Ali al-Tamimi
كاتب المقال
١٣ يوليو ٢٠٢٦
كيف تريد فنلندا تعليم ريادة الأعمال والثقافة المالية للأجيال القادمة؟

لم تعد ريادة الأعمال في فنلندا تُفهم باعتبارها مساراً مهنياً يختاره من يرغب في تأسيس شركة أو إدارة مشروع تجاري، بل أصبحت تُطرح بوصفها مجموعة من المهارات الحياتية التي ينبغي أن يكتسبها جميع الأطفال والشباب منذ سنوات الدراسة الأولى. فالتغيرات المتسارعة في سوق العمل، والانتقال نحو اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الابتكار والمعرفة، وتزايد أهمية المبادرة الفردية والعمل التعاوني، دفعت وزارة التعليم والثقافة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُقدم بها مفاهيم ريادة الأعمال داخل النظام التعليمي. وفي هذا السياق نشرت وزارة التعليم والثقافة عبر منصة Lausuntopalvelu مشروعاً وطنياً جديداً بعنوان «المبادئ التوجيهية لريادة الأعمال والثقافة المالية في التعليم»، وفتحته للمشاورات العامة أمام المؤسسات التعليمية والجامعات والبلديات والمنظمات والجهات المختلفة. ولا يقدم المشروع منهجاً دراسياً جديداً، كما لا يفرض مادة مستقلة تحت اسم "ريادة الأعمال"، وإنما يضع إطاراً وطنياً يهدف إلى دمج التفكير الريادي والثقافة المالية بصورة أكثر انتظاماً داخل مختلف مراحل التعليم الفنلندي. (lausuntopalvelu.fi)

وتوضح الوزارة أن الهدف من هذه المبادئ هو توفير رؤية مشتركة تساعد جميع الجهات العاملة في قطاع التعليم على بناء مهارات ريادة الأعمال والثقافة المالية لدى الأطفال والشباب بصورة متدرجة ومترابطة، بحيث تصبح هذه المهارات جزءاً من العملية التعليمية وليس نشاطاً منفصلاً عنها.ومن اللافت أن المشروع لا ينطلق من فكرة إعداد رواد أعمال مستقبليين فقط، بل من تصور أوسع يرى أن المجتمع يحتاج إلى أفراد يمتلكون القدرة على المبادرة، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار، وفهم الجوانب الأساسية للاقتصاد الشخصي، وإدارة الموارد، والتعامل الواعي مع المال، سواء اختاروا مستقبلاً العمل في القطاع العام أو الخاص أو تأسيس مشاريعهم الخاصة.ولهذا تتعامل الوثيقة مع ريادة الأعمال باعتبارها ثقافة تعليمية، لا برنامجاً تدريبياً محدوداً، وهو ما يفسر اختيار الوزارة لمصطلح "ريادة الأعمال والثقافة المالية" في عنوان المشروع، بدلاً من التركيز على إنشاء الشركات أو النشاط التجاري وحده. (lausuntopalvelu.fi)

إن القراءة المتأنية للمشروع تكشف أن الحكومة تسعى إلى بناء مسار تعليمي متصل يبدأ منذ المراحل الأولى للتعليم ويستمر حتى التعليم العالي، بحيث يكتسب المتعلم تدريجياً فهماً أعمق للمبادرة والاقتصاد الشخصي والعمل والإنتاج. ولا يعني ذلك أن جميع الطلاب سيتعلمون المحتوى نفسه في كل مرحلة، بل إن الوثيقة تتحدث عن تطوير المهارات بما يتناسب مع العمر والمرحلة التعليمية.وتربط الوزارة هذا التوجه بالتغيرات التي يشهدها المجتمع الفنلندي وسوق العمل. فالمهارات التي كانت كافية قبل عقدين لم تعد وحدها تفي بمتطلبات الاقتصاد الحديث، كما أن التحولات الرقمية والاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار تفرض على النظام التعليمي إعداد الطلاب للتعامل مع بيئات عمل أكثر تنوعاً وتغيراً. ومن هنا لا تقتصر المبادئ المقترحة على المعرفة الاقتصادية المجردة، بل تمتد إلى تنمية القدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية والعمل المشترك وحل المشكلات والإبداع، وهي عناصر ترى الوزارة أنها تشكل أساساً لريادة الأعمال بمعناها الواسع، سواء داخل الشركات أو المؤسسات العامة أو المجتمع المدني. ولا تنفصل الثقافة المالية عن هذا التصور، إذ تشير الوثيقة إلى أهمية أن يمتلك المتعلمون معرفة تساعدهم على فهم القرارات المالية التي سيواجهونها في حياتهم اليومية، وأن يكونوا قادرين على التعامل مع القضايا المالية بصورة واعية. ويظهر من المشروع أن الثقافة المالية لا تُعامل باعتبارها موضوعاً اقتصادياً متخصصاً، بل بوصفها جزءاً من مهارات الحياة التي يحتاجها جميع المواطنين.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الوزارة أن نجاح هذه المبادئ لا يعتمد على المدارس وحدها، وإنما يحتاج إلى تعاون بين مختلف الفاعلين في النظام التعليمي، بما في ذلك البلديات، ومؤسسات التعليم، والجامعات، والجهات العاملة في مجال ريادة الأعمال والثقافة المالية. ولهذا جاءت الوثيقة في صورة مبادئ توجيهية وطنية يمكن أن تشكل أساساً للعمل المشترك بين هذه الجهات. وتكشف طريقة إعداد المشروع أيضاً جانباً مهماً من أسلوب تطوير السياسات التعليمية في فنلندا. فبدلاً من إصدار الوثيقة مباشرة، اختارت الوزارة نشرها للمشاورات العامة عبر منصة Lausuntopalvelu، بما يسمح للسلطات المحلية، والمؤسسات التعليمية، والجامعات، والمنظمات، والخبراء، وغيرهم بتقديم ملاحظاتهم قبل اعتماد الصيغة النهائية. ويمثل هذا المسار جزءاً من النهج الفنلندي في إعداد السياسات العامة، حيث تُجمع الآراء قبل اتخاذ القرار النهائي، ويُنظر إلى المشاورات باعتبارها مرحلة أساسية في تطوير الوثائق الوطنية. كما يعكس المشروع اهتماماً متزايداً بالربط بين التعليم والحياة العملية، دون أن يحول المدرسة إلى مؤسسة لإعداد رجال الأعمال فقط. فالوثيقة تتحدث عن بناء مهارات عامة يحتاج إليها جميع المتعلمين، مثل التفكير المسؤول، والقدرة على المبادرة، وفهم المبادئ الأساسية للاقتصاد الشخصي، والعمل بروح التعاون، وهي مهارات ترى الوزارة أنها أصبحت ضرورية للمشاركة الفاعلة في المجتمع المعاصر. ومن خلال هذا المنظور، تصبح ريادة الأعمال جزءاً من التربية المدنية والاقتصادية، وليست مجرد خيار مهني. فالمتعلم الذي يكتسب القدرة على المبادرة، وإدارة الموارد، وفهم المسؤولية المالية، يستطيع الاستفادة من هذه المهارات في مجالات متعددة، سواء اتجه لاحقاً إلى تأسيس مشروع خاص، أو العمل في مؤسسة عامة، أو متابعة مساره الأكاديمي.

ولا يقدم المشروع تفاصيل تنفيذية تتعلق بالمناهج الدراسية أو عدد الساعات أو المواد التعليمية الجديدة، لأنه يركز على وضع المبادئ الوطنية العامة التي يمكن أن تستند إليها الجهات التعليمية عند تطوير برامجها. كما لا يعلن عن إدخال مادة دراسية جديدة تحمل اسم "ريادة الأعمال"، بل يركز على بناء إطار يساعد على دمج هذه المهارات داخل العملية التعليمية بصورة متكاملة. ومن خلال هذه المبادئ، يبدو أن وزارة التعليم والثقافة تسعى إلى بناء فهم أكثر شمولاً للعلاقة بين التعليم والاقتصاد والمجتمع. فالغاية ليست فقط إعداد قوة عاملة قادرة على المنافسة، وإنما أيضاً إعداد مواطنين يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة، وفهم الجوانب الأساسية للحياة الاقتصادية، والمشاركة بفاعلية في مجتمع يعتمد بصورة متزايدة على الابتكار والمعرفة. ولا تزال الوثيقة في مرحلة المشاورات العامة، وهو ما يعني أن مضمونها قد يخضع للتعديل بعد دراسة الآراء الواردة من الجهات المشاركة. وبعد انتهاء هذه المرحلة ستراجع الوزارة الملاحظات قبل اعتماد النسخة النهائية من المبادئ التوجيهية. ولذلك فإن ما نُشر حالياً يمثل مشروعاً وطنياً مفتوحاً للنقاش، لكنه يكشف بوضوح الاتجاه الذي تتحرك نحوه السياسة التعليمية الفنلندية، حيث لم تعد ريادة الأعمال والثقافة المالية موضوعين هامشيين، بل أصبحتا جزءاً من الرؤية التي تريد الدولة أن تبني عليها مهارات الأجيال القادمة.

المصادر

  1. Lausuntopalvelu – Yrittäjyys- ja talousosaamisen suuntaviivat kasvatukseen ja koulutukseen (مشروع المبادئ التوجيهية لريادة الأعمال والثقافة المالية في التعليم).
    https://www.lausuntopalvelu.fi/FI/Proposal/Open?asc=True&sortby=Name
  2. وزارة التعليم والثقافة الفنلندية (Opetus- ja kulttuuriministeriö) – وثيقة مشروع المبادئ التوجيهية المنشورة ضمن منصة المشاورات الحكومية (Lausuntopalvelu).