التحقيقات والدراسات
5 دقائق قراءة

فنلندا في العمق | السفر في صيف 2025 رحلات أقصر، وجهات أقرب، وتحول في عادات الفنلنديين السياحية

تُظهر الأرقام أن الوجهات القريبة ما تزال تتصدر اختيارات الفنلنديين؛ فقد وُجِّهت 1,5 مليون رحلة صيفية نحو بلدان الشمال الأوروبي ودولة إستونيا المجاورة. وبقيت إستونيا في الصدارة رغم انخفاض عدد الرحلات إليها بنحو عُشر مقارنةً بصيف العام السابق

Leïla Bn Ali
Leïla Bn Ali
كاتب المقال
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
فنلندا في العمق | السفر في صيف 2025 رحلات أقصر، وجهات أقرب، وتحول في عادات الفنلنديين السياحية

كشف تقرير هيئة الإحصاء الفنلندية الصادر في 23 أكتوبر 2025 عن صورة دقيقة لعادات السفر لدى الفنلنديين خلال صيف عام 2025، وهي صورةٌ تحمل في طياتها ملامح تغيّرٍ تدريجي في أنماط الترفيه والتنقّل. فبين شهري مايو وأغسطس، قام الفنلنديون بنحو 2,8 مليون رحلة سياحية إلى الخارج، أي أقل قليلًا مما كان عليه في صيف 2024، بينما انخفضت أيضًا رحلاتهم داخل البلاد بنسبةٍ أكبر. ويعكس هذا التراجع المزدوج انتقالًا هادئًا من السفر الطويل المكلف إلى خياراتٍ أقصر وأقرب وأكثر توافقًا مع التحولات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية التي تشهدها فنلندا. تُظهر الأرقام أن الوجهات القريبة ما تزال تتصدر اختيارات الفنلنديين؛ فقد وُجِّهت 1,5 مليون رحلة صيفية نحو بلدان الشمال الأوروبي ودولة إستونيا المجاورة. وبقيت إستونيا في الصدارة رغم انخفاض عدد الرحلات إليها بنحو عُشر مقارنةً بصيف العام السابق، بينما حافظت السويد على مستوى ثابت من الإقبال. ويشير التقرير إلى أن ما يُعرف بـ«السياحة القريبة» (Lähimatkailu) شهدت تحولًا نوعيًا في شكلها، إذ ارتفعت الرحلات البحرية التي تشمل مبيتًا بنسبة 20٪ مقارنةً بصيف 2024، في حين انخفضت الرحلات اليومية القصيرة بنسبة تفوق 25٪، ما يعني أن السياحة الإقليمية أصبحت تميل إلى التجربة المعيشية الكاملة لا الزيارة السريعة.

في المقابل، تراجعت جاذبية جنوب أوروبا، الوجهة المفضلة تقليديًا للفنلنديين خلال العقود الأخيرة، بنسبة 6٪ مقارنةً بصيف 2024. والمثير أن اليونان تجاوزت إسبانيا كأكثر الوجهات الجنوبية شعبية، إذ زارها نحو 200 ألف فنلندي بين مايو وأغسطس. ويرى المحللون أن هذا التحول يعكس رغبة المسافرين في الجمع بين الطقس الدافئ والتكاليف المعقولة، خاصةً بعد ارتفاع الأسعار في وجهات البحر المتوسط التقليدية. كما ساهمت المرونة في خيارات الطيران المباشر وازدياد العروض الموسمية في جعل الوجهات الأصغر مثل الجزر اليونانية أكثر جاذبية من المدن الإسبانية المزدحمة. ومع أن عدد الرحلات الخارجية الإجمالي انخفض قليلًا، فإن الملمح الأبرز هو قِصر مدة الإقامة. تشير البيانات إلى أن الرحلات الطويلة إلى الخارج أصبحت أقصر بثلاث ليالٍ في المتوسط مقارنةً بالعام السابق، ما يعكس تفضيل الفنلنديين لرحلاتٍ متكررة قصيرة على حساب الرحلات البعيدة الطويلة. تقول الخبيرة الإحصائية ماريان لالو من هيئة الإحصاء الفنلندية إن هذا الاتجاه «يعكس إعادة تقييمٍ للزمن والموارد»، إذ أصبح السفر في الوعي الفنلندي مرتبطًا بالاستراحة الذهنية أكثر من التجوال الجغرافي الطويل، خاصةً في ظل زيادة تكاليف المعيشة والطاقة.

على صعيد السياحة الداخلية، تُظهر الأرقام تراجعًا أكثر وضوحًا. فقد انخفض عدد الرحلات داخل فنلندا التي تتضمن مبيتًا بنحو 20٪ مقارنةً بصيف 2024، ليبلغ مجموعها 8,9 ملايين رحلة فقط. والسبب الرئيسي وراء هذا الانخفاض هو تراجع ما يُعرف بـ«الاستضافة المجانية» – أي الإقامة لدى الأقارب أو في الأكواخ الخاصة والتي شكلت تقليديًا جزءًا أساسيًا من نمط العطلات الفنلندية. ووفق البيانات، انخفض هذا النوع من الرحلات إلى 6,1 ملايين رحلة، أي بنسبة انخفاض بلغت الخمس مقارنةً بالعام السابق. وتوضح لالو أن هذا الانخفاض جزءٌ من اتجاهٍ متواصل منذ سنوات، باستثناء عام الجائحة 2021 حين شهدت السياحة المحلية ارتفاعًا استثنائيًا بسبب القيود على السفر الدولي. أما السياحة المدفوعة داخل البلاد أي تلك التي تشمل الإقامة في فنادق أو أكواخ مستأجرة – فقد انخفضت بنحو 10٪ مقارنةً بصيف 2024. ورغم هذا الانخفاض، فإن المشهد الداخلي يُظهر تباينًا لافتًا بين الأنماط التقليدية والحديثة في الإقامة. فبينما تراجعت الإقامات في الفنادق والأكواخ الريفية، ازدادت الحجوزات عبر المنصات الرقمية مثل Airbnb استمرارًا لاتجاهٍ بدأ قبل سنوات ويزداد رسوخًا مع صعود الجيل الرقمي الذي يفضّل الحجز الذاتي والإقامات القصيرة المرنة. وتُشير هيئة الإحصاء إلى أن هذا التحول لا يعكس مجرد تغيير في الأذواق، بل في البنية الاقتصادية للسياحة نفسها، إذ باتت المنصات الرقمية وسيطًا رئيسيًا في توزيع العائد السياحي بين الأفراد بدل الشركات الكبرى. ومع أن التقرير لا يُسجّل انخفاضًا حادًا في الإنفاق السياحي، إلا أن الاتجاه العام نحو تقليص عدد الليالي والإقامات يشير إلى وعيٍ اقتصادي جديد لدى الفنلنديين، حيث يوازن المسافر بين الرغبة في الاستجمام والحرص المالي. وربما يعبّر هذا السلوك عن نضجٍ في الثقافة السياحية الوطنية؛ فبعد موجة «السفر من أجل السفر» التي ميّزت فترة ما قبل الجائحة، باتت الرحلات اليوم أكثر هدفًا وتركيزًا على التجربة نفسها لا على المسافة المقطوعة.

في خلفية هذه الأرقام يظهر أيضًا بعدٌ بيئيٌّ متزايد التأثير في قرارات السفر. ففنلندا، كغيرها من دول الشمال، تشهد نموًا في الوعي المناخي، مما جعل جزءًا من المسافرين يفضلون الوجهات القريبة لتقليل الانبعاثات الناتجة عن الطيران. ويتقاطع هذا الاتجاه مع سياسات النقل العام والبحري، التي شهدت في 2025 نموًا ملحوظًا في رحلات العَبّارات بين هلسنكي وتالين وستوكهولم، ما جعل الرحلات البحرية ذات المبيت خيارًا جذابًا يجمع بين الراحة والمسؤولية البيئية. وتُشير هيئة الإحصاء الفنلندية في تقريرها إلى أن البيانات المجمعة من مايو إلى أغسطس لا تمثل فقط موسماً سياحيًا، بل مرآةً اجتماعيةً لاهتمامات الفنلنديين. فالتراجع في الرحلات البعيدة لا يعني بالضرورة عزوفًا عن السفر، بل ميلًا متزايدًا نحو تنظيم الوقت والموارد بما يتماشى مع نمط حياةٍ أكثر استدامة. كما أن ارتفاع استخدام المنصات الرقمية للحجز والإقامة يعكس تحولًا اقتصاديًا نحو السياحة التشاركية التي تمنح الأفراد دورًا مباشرًا في الاقتصاد المحلي (stat.fi). من منظورٍ ثقافي، تكشف هذه الاتجاهات عن صورةٍ فنلندية جديدة للسياحة؛ صورةٍ تدمج البساطة بالوعي البيئي، وتضع التجربة الشخصية فوق الاستهلاك الكمي. فالفنلندي لم يعد يسافر بحثًا عن الشمس فقط، بل عن توازنٍ بين الراحة والهوية، بين الخارج والداخل، بين المغامرة والسكينة. وفي هذا المعنى تصبح الإحصاءات الرقمية أكثر من مجرد أرقامٍ جامدة؛ إنها سجلٌّ دقيقٌ لتحوّلٍ ثقافيٍ يعيد تعريف معنى السفر ذاته في بلدٍ يرى في الاعتدال والوعي جزءًا من قيمه الجوهرية. وبينما تؤكد الخبيرة ماريان لالو أن صيف 2025 كان مختلفًا من حيث أنماط السفر، فإن خلاصة التقرير تبدو واضحة: لم يتوقف الفنلنديون عن السفر، لكنهم باتوا يسافرون بطريقةٍ أكثر وعيًا، أقصر زمنًا، وأقرب إلى البيت. ففي بلدٍ تحكمه الفصول القصيرة والدقة في التنظيم، ربما أصبحت البساطة في السفر امتدادًا للبنية العقلانية التي تميّز المجتمع الفنلندي، حيث يُقاس النجاح لا بطول الرحلة بل بجودتها.