تُظهر أحدث بيانات هيئة الإحصاء الفنلندية أن صورة السكان في فنلندا عام 2025 تتّسم بتغيّرين متعاكسين في الاتجاه: ارتفاع طفيف في عدد المواليد بعد سنواتٍ من الانخفاض، يقابله تراجع في معدلات الهجرة مقارنة بالعام السابق. فبين يناير وسبتمبر 2025 وُلد في فنلندا 1 301 طفل أكثر من الفترة نفسها من عام 2024، وبلغ «معدل الخصوبة الإجمالي» التقديري للاثني عشر شهرًا الأخيرة (من أكتوبر 2024 إلى سبتمبر 2025) 1,28 طفل للمرأة الواحدة، بزيادة 0,03 عن عام 2024. هذه الأرقام مأخوذة من «الإحصاء السكاني التقديري» لشهر سبتمبر 2025 ومن بيانات الربع الثالث التي نشرتها هيئة الإحصاء الفنلندية stat.fi. يعلّق الخبير الإحصائي يووناس تويفولا بأن هذا الارتفاع المتواضع لا يُغيّر الحقيقة الأساسية: الخصوبة لا تزال عند مستوى منخفض تاريخيًا، إذ إن معدل 1,28 يُعدّ ثالث أدنى رقم في السلسلة التاريخية الممتدة 250 عامًا، لكنه أعلى مما كان عليه خلال 2023 و 2024. أما الاختلافات بين المجموعات اللغوية، فتُظهر تبايناتٍ بدأت تتقلّص تدريجيًا. فبحسب الخبير يووهانا نوردبرغ، كان معدل الخصوبة لدى النساء «من أصولٍ لغوية أجنبية» (vieraskieliset) أعلى من نظيره لدى الناطقات باللغتين الوطنيتين لعقود، لكنه انخفض في مطلع 2020 ليصبح قريبًا من مستوى النساء الناطقات بالسويدية، بينما بقي معدل النساء الناطقات بالفنلندية الأدنى بين المجموعات الثلاث منذ العقد الماضي.

المصدر: هيئة الإحصاء الفنلندية، إحصاءات أولية عن المواليد والسكان Lähde: Tilastokeskus, syntyneet ja väestön ennakkotilasto
وتُظهر بيانات الأشهر الاثني عشر الأخيرة (أكتوبر 2024 – سبتمبر 2025) أن معدل الخصوبة بلغ 1,26 لدى النساء الناطقات بالفنلندية، و 1,38 لدى ذوات اللغات الأجنبية، و 1,46 لدى الناطقات بالسويدية. والجدير بالذكر أن الزيادة المسجَّلة في عام 2025 جاءت فقط من بين المجموعتين الوطنيتين (الفنلندية والسويدية)، بينما لم يُلاحظ تغير يُذكر لدى النساء ذوات الأصول اللغوية الأجنبية. وتؤكد هيئة الإحصاء أن هذه المؤشرات ما تزال مبدئية وستُراجع لاحقًا مع اكتمال البيانات النهائية في «قاعدة بيانات StatFin». يرمز «معدل الخصوبة الإجمالي» (kokonaishedelmällisyysluku) إلى عدد الأطفال الذين ستُنجبهم المرأة في المتوسط خلال حياتها إذا بقيت معدلات الولادة كما هي في سنة الحساب. في السنوات الأخيرة شهدت فنلندا تراجعًا حادًا في هذا المعدل، إذ انخفض من 1,87 في 2010 إلى 1,32 في 2023، ثم إلى 1,25 في 2024، قبل أن يسجل الارتفاع الطفيف الحالي إلى 1,28. وتُظهر البيانات التاريخية أن الموجة الانخفاضية بدأت بعد عام 2010 واستمرت عقدًا كاملًا، ما أثار نقاشًا عامًا حول أسبابها البنيوية من تغير أنماط الحياة وتأخر الإنجاب إلى تكاليف السكن والعمل.
في الجانب الآخر من المعادلة السكانية، تُظهر بيانات الهجرة انخفاضًا واضحًا. فقد بلغ عدد المهاجرين القادمين إلى فنلندا بين يناير وسبتمبر 2025 ما مجموعه 38 133 شخصًا، أي أقل بـ 11 721 من الفترة نفسها عام 2024. ومع ذلك يؤكد تويفولا أن حجم الهجرة ما زال مرتفعًا تاريخيًا، إذ يُعدّ ثالث أعلى رقم مُسجَّل خلال الفترة الإحصائية الممتدة بعد عامي 2023 و 2024. ويظلّ الأوكرانيون في صدارة المهاجرين إلى فنلندا رغم انخفاض عددهم الأكبر (-4 297) مقارنةً بعام 2024، يليهم الفنلنديون العائدون إلى بلادهم، ثم القادمون من الفلبين والهند وسري لانكا، بينما كانت الزيادة الوحيدة الملحوظة في الهجرة من الولايات المتحدة (+115). وتشير هيئة الإحصاء إلى أن بيانات الهجرة التقديرية تُراجَع عادةً بالزيادة في النشرات اللاحقة بسبب طول فترة معالجة بيانات التبليغ عن الانتقال. يُظهر الجمع بين هذين الاتجاهين – انخفاض الهجرة وارتفاع طفيف في الخصوبة – ملامح تحول ديموغرافي بطيء في فنلندا. فالتحدي الأساسي لا يزال في تراجع الفئة العاملة وشيخوخة السكان، وهو ما يجعل أي زيادةٍ في عدد المواليد حتى وإن كانت محدودة موضع ترحيبٍ سياسيٍ واقتصادي. ومع ذلك، يُدرك الخبراء أن تأثير مثل هذا الارتفاع لا يُقاس بالمدى القصير، بل يحتاج إلى استدامةٍ على مدى سنواتٍ متتالية كي يغيّر اتجاه الشيخوخة العامة.
من زاوية السياسة العامة، تُظهر الأرقام الحاجة إلى استمرار دعم الأسر والأطفال، وتوفير بيئةٍ تسهّل التوفيق بين العمل والأسرة. ففي السنوات الأخيرة عزّزت الحكومة منظومة الإجازات الوالدية والمساعدات المالية من خلال «كيلا» ووسّعت خدمات رعاية الأطفال. وتُشير الاتجاهات إلى أن الاستقرار الاقتصادي وتوافر السكن الميسور هما عاملان رئيسيان في قرارات الإنجاب، أكثر من المساعدات المباشرة. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمُن في الأرقام وحدها، بل في الثقة الاجتماعية التي تجعل من بناء الأسرة قرارًا آمنًا ومستقبليًا. على صعيد الهجرة، يُفهم الانخفاض الحالي في ضوء الاستقرار النسبي بعد ذروة عام 2023 المرتبطة بموجات اللجوء الأوكرانية. ومع ذلك، تبقى الهجرة عاملًا بنيويًا في توازن القوى العاملة، إذ تعتمد قطاعات عديدة – مثل الصحة والرعاية والتكنولوجيا – على الوافدين الجدد لتعويض النقص السكاني المحلي. ويُتوقَّع أن تستمر السياسات الفنلندية في الجمع بين الانفتاح المدروس والإدارة المنهجية للهجرة، كما تُظهر البيانات التي تنشرها هيئة الإحصاء بشكلٍ دوري بالتعاون مع وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والعمل. تؤكد هيئة الإحصاء الفنلندية في تقريرها الصادر في 23 أكتوبر 2025 أن عام 2025 يحمل إشاراتٍ مزدوجة: بداية انتعاشٍ طفيف في المواليد، وتراجعٍ مرحلي في الهجرة، وكلاهما جزء من مشهدٍ ديموغرافيٍ متحرّكٍ تتداخل فيه السياسة الاجتماعية مع التحولات الاقتصادية والثقافية. والنتيجة النهائية، كما لخّصها تويفولا، أن «الخصوبة ما زالت منخفضة، والهجرة رغم تراجعها مرتفعة تاريخيًا» – وهي معادلة تُذكّر بأن الاستقرار السكاني في فنلندا لا يُبنى على رقمٍ واحد، بل على توازنٍ دقيق بين الولادة والهجرة والسياسات التي تربط بينهما.
