في مطلع عام 2025، وبينما تعيش أوروبا واحدة من أكثر فتراتها توتراً منذ الحرب الباردة، وجدت فنلندا نفسها مجددًا في قلب السياسة الأوروبية، بين متطلبات الأمن الجماعي من جهة، ونداء الضمير الإنساني من جهة أخرى. في جلسة استثنائية للجنتين البرلمانيتين الفنلنديتين – اللجنة الكبرى ولجنة الشؤون الخارجية – استمع النواب لرئيس الوزراء بيتّري أوربو وهو يشرح تفاصيل القرار الذي خرج به المجلس الأوروبي في ديسمبر الماضي بشأن آلية جديدة لتمويل أوكرانيا. بدا واضحاً أن فنلندا، التي أصبحت رسميًا عضواً في حلف الناتو منذ عام واحد فقط، تتعامل مع ملف الحرب الأوكرانية باعتباره اختباراً لثوابتها السياسية وأخلاقياتها الأوروبية على حد سواء.
القضية الأساسية التي ناقشها البرلمان لم تكن الدعم نفسه، بل الشكل الذي يجب أن يتخذه هذا الدعم. فبينما كانت بعض الدول تدفع باتجاه ما سُمّي بـ«قرض التعويضات الحربية» – أي آلية قانونية تسمح باستخدام الأصول الروسية المجمّدة في أوروبا لصالح أوكرانيا – قررت القمة الأوروبية في النهاية منح كييف قرضاً قيمته تسعون مليار يورو للفترة ما بين 2026 و2027، بضمان الميزانية العامة للاتحاد الأوروبي. هذا القرار كان بالنسبة للحكومة الفنلندية حلاً عملياً يُحقق الهدف الأهم: استمرار الدعم المالي دون انتظار إجماعٍ أوروبي صعب المنال. أوربو، الذي يمثل التيار الوسطي المحافظ، أكد في مداخلته أمام اللجنتين أن «فنلندا كانت وستظل من أكثر الدول التزاماً بمبدأ الدفاع عن القيم الأوروبية، وفي مقدمتها سيادة القانون وحق الشعوب في تقرير مصيرها». لكنه أشار أيضاً إلى أن بلاده لا يمكنها تجاهل الواقع السياسي والاقتصادي، فالمطالبة بتعويضات روسية مباشرة قد تكون من الناحية القانونية «مستحيلة التنفيذ في الوقت الراهن». لذلك اختارت هلسنكي دعم القرار الأوروبي الذي تم تمريره عبر آلية التعاون المعزّز، ما يعني أنه لا يحتاج إلى إجماع كامل من الدول الأعضاء. اللجنة الكبرى في البرلمان الفنلندي، التي تلعب دوراً محورياً في تحديد موقف الدولة داخل الاتحاد الأوروبي، أيدت هذا التوجه بحذر. فقد قالت رئيستها سارة-صوفيا سيرين إن «الغاية الأسمى بالنسبة لفنلندا كانت ولا تزال ضمان استمرار المساعدات لأوكرانيا». لكنها في الوقت نفسه اعترفت بأن «مسألة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي بهذه الطريقة تطرح تحديات قانونية وسياسية لا يمكن تجاهلها». ومع ذلك، شددت على أن فنلندا لا تمانع اعتماد أي آلية تمويل جديدة طالما أنها تحافظ على مبدأ الشفافية والمساءلة، وتخدم الهدف الإنساني والسياسي المتمثل في دعم أوكرانيا.
أما رئيس لجنة الشؤون الخارجية، يوهانس كوسكينين، فقد ذهب أبعد من ذلك في حديثه عن البعد الأخلاقي للأزمة. قال كوسكينين إن «المسؤولية القانونية عن العدوان يجب أن تبقى في صلب الخطاب الأوروبي، فلا يمكن لأوروبا أن تنادي بالعدالة وتتغاضى عن مبدأ التعويض». ودعا إلى إيجاد صيغة قانونية ملزمة تتيح توجيه الأصول الروسية المجمّدة إلى إعادة إعمار المدن الأوكرانية، معتبرًا أن هذا المبدأ هو الذي سيحافظ على مصداقية الاتحاد الأوروبي أمام القانون الدولي. النقاش بين اللجنتين ورئيس الوزراء لم يكن تقنياً فقط، بل كشف عن توترٍ داخلي في السياسة الفنلندية بين من يرون أن البلاد يجب أن تلتزم بسياسات الاتحاد الأوروبي مهما كانت الكلفة، وبين من يعتقدون أن فنلندا بحاجة إلى سياسة خارجية أكثر استقلالية تراعي مصالحها الاقتصادية وحدودها الأمنية مع روسيا. فبعد انضمامها إلى الناتو، ارتفع الإنفاق الدفاعي الفنلندي إلى أكثر من 2.3% من الناتج المحلي، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول التوازن بين الأمن والرفاه الاجتماعي، خاصة في ظل سياسات التقشف التي تتبعها حكومة أوربو. إحدى النقاط التي نوقشت أيضاً كانت العلاقة بين التمويل والدبلوماسية. فبينما ترى الحكومة أن استمرار الدعم المالي يعزز موقع أوكرانيا التفاوضي، ترى بعض الأصوات المعارضة أن التركيز المفرط على المساعدات الاقتصادية قد يطيل أمد الحرب بدلاً من إنهائها. في هذا السياق، قال أحد نواب حزب اليسار في اجتماع مغلق للجنة الخارجية إن “فنلندا يجب أن تكون جسراً للسلام، لا طرفاً في تمويل الصراع”. لكن الأغلبية البرلمانية ردّت بأن «الحياد في زمن العدوان ليس خياراً، بل تخلٍ عن المسؤولية الأخلاقية». يأتي كل هذا بينما يراقب الرأي العام الفنلندي التطورات بعيونٍ قلقة. فحسب استطلاع أجرته هيئة الإذاعة الفنلندية Yle في يناير 2025، أيد 77% من المواطنين استمرار الدعم لأوكرانيا، لكن 48% فقط وافقوا على استخدام أموال الاتحاد الأوروبي لهذا الغرض. هذا التباين يعكس الانقسام الشعبي بين الحس الإنساني والبراغماتية الاقتصادية، خصوصاً في بلدٍ يعتمد اقتصاده على الاستقرار والحياد التاريخي.
أما على المستوى الأوروبي، فقد رحبت المفوضية الأوروبية بالقرار الجديد باعتباره خطوة ضرورية لتجاوز الجمود المالي. غير أن بعض الخبراء في القانون الدولي يرون أن آلية القرض الأوروبي لا تعالج جذور المشكلة، لأنها لا تفرض مسؤولية مباشرة على روسيا. في المقابل، اعتبر آخرون أن الأهم في الوقت الحالي هو الحفاظ على وحدة الصف الأوروبي، وأن أي تأخير في التمويل سيضر بأوكرانيا أكثر مما سيفيد النقاش القانوني. داخل فنلندا، ما تزال الحكومة تسعى إلى موازنة هذه التوجهات المتناقضة. فبين واجبها الأوروبي والتزاماتها تجاه دافعي الضرائب، تحاول أن تقدم نفسها كصوتٍ واقعي يحافظ على المبادئ دون المثالية المفرطة. ويبدو أن هذا الموقف يتماشى مع الصورة التي يريدها أوربو لبلاده: فنلندا الحديثة، العضو الفاعل في أوروبا، التي لا ترفع الشعارات بل تبني الحلول. يمكن القول إن النقاش حول تمويل أوكرانيا تجاوز في فنلندا إطار المساعدة المالية ليصبح جزءاً من هوية الدولة الحديثة. فالقضية لم تعد حول “كم سندفع؟” بل “من نريد أن نكون؟”. هل نحن أمة أوروبية تتحمل المسؤولية الجماعية رغم القيود الاقتصادية، أم دولة صغيرة حذرة تحاول النجاة في عالمٍ متقلب؟ ربما الإجابة تكمن في الموقف الفنلندي نفسه: مزيجٌ من الواقعية السياسية والإحساس الأخلاقي، يعكس تماماً روح الأمة التي تعلّمت من التاريخ أن الحياد لا يعني الصمت، وأن التضامن لا يلغي التفكير العقلاني.
