الضرائب في فنلندا
6 دقائق قراءة

خطط الحكومة الفنلندية لتحفيز الاقتصاد عبر خفض ضريبة الشركات سياسة جذب الاستثمار الأجنبي 2025

ووفقًا لتصريحات وزير المالية، فإن “فنلندا بحاجة إلى بيئة أعمال أكثر مرونة وعدالة لتبقى جذابة في سوق استثماري عالمي يتغير بسرعة”

Hussein Ben Ali
Hussein Ben Ali
كاتب المقال
٦ نوفمبر ٢٠٢٥
خطط الحكومة الفنلندية لتحفيز الاقتصاد عبر خفض ضريبة الشركات سياسة جذب الاستثمار الأجنبي 2025

في ربيع عام 2025، أعلنت الحكومة الفنلندية بقيادة رئيس الوزراء بيتري أوربو (Petteri Orpo) ووزير المالية ريكا بورّا (Riikka Purra) عن حزمة اقتصادية شاملة تهدف إلى إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني الذي يعاني من تباطؤ في النمو وارتفاع في الديون العامة. جوهر هذه الحزمة يتمثل في خفض ضريبة الشركات من 20% إلى 18%، وهي أدنى نسبة في تاريخ فنلندا الحديث، في خطوة جريئة أثارت جدلًا واسعًا بين المؤيدين الذين يرون فيها وسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية، والمعارضين الذين يعتبرونها مكافأة غير مبرّرة للشركات الكبرى على حساب الميزانية العامة. تأتي هذه الخطوة في سياق عالمي تتنافس فيه الدول الأوروبية على اجتذاب رؤوس الأموال والمستثمرين بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي بدأت بجائحة كورونا وتفاقمت بفعل الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة. الحكومة الفنلندية ترى أن القدرة التنافسية لم تعد تقتصر على التكنولوجيا أو التعليم، بل تشمل أيضًا السياسة الضريبية كأداة أساسية لجذب الشركات متعددة الجنسيات. ووفقًا لتصريحات وزير المالية، فإن “فنلندا بحاجة إلى بيئة أعمال أكثر مرونة وعدالة لتبقى جذابة في سوق استثماري عالمي يتغير بسرعة”. تُقدّر وزارة المالية أن خفض ضريبة الشركات سيكلف الخزانة العامة حوالي 600 مليون يورو سنويًا في الإيرادات الضريبية المفقودة، لكن الحكومة تراهن على أن هذا النقص سيتعوض على المدى المتوسط من خلال زيادة النشاط الاقتصادي وتوسّع القاعدة الضريبية. كما تتوقع أن يؤدي القرار إلى خلق ما بين 20 و30 ألف فرصة عمل جديدة خلال ثلاث سنوات، خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والطاقة المتجددة.

لم يأتِ القرار بمعزل عن إصلاحات أخرى. فقد رافقه إعلان عن تبسيط الإجراءات البيروقراطية لتأسيس الشركات، وتخفيض الرسوم الإدارية المرتبطة بتصاريح العمل والإقامة لرجال الأعمال الأجانب. كما أقرت الحكومة خطة لتطوير مراكز الابتكار في المدن الكبرى – هلسنكي، إسبو، تامبيري، وأولو – بهدف تحويلها إلى مناطق جذب للشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الدولية. القطاع التكنولوجي الفنلندي، الذي يُعتبر أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، كان من أوائل المستفيدين من السياسة الجديدة. شركات ناشئة في مجالات الذكاء الصناعي والطاقة النظيفة رحّبت بالقرار، معتبرة أنه يعزز قدرتها على التوسع والتوظيف. وفي المقابل، حذّرت النقابات العمالية وبعض أحزاب المعارضة من أن خفض الضرائب دون رقابة مشددة على الشركات قد يؤدي إلى تقليص إيرادات الدولة المخصصة للرعاية الاجتماعية والتعليم، أي إلى توسيع الفجوة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. حزب اليسار الفنلندي (Vasemmistoliitto) وصف السياسة بأنها “تنازل مقلق عن أحد مصادر تمويل الدولة الأساسية”، معتبرًا أن الأموال المفقودة كان يمكن أن تُستثمر في التعليم والبحث العلمي، وهما المجالان اللذان أعطيا فنلندا مكانتها العالمية في الابتكار. من جهتها، ردّت الحكومة بأن خفض الضريبة ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لتحفيز الاستثمار طويل الأمد، مؤكدة أنها ستُرفق بآليات رقابة تمنع تهرّب الشركات الكبرى من الضرائب أو نقل أرباحها خارج البلاد.

التحليل الاقتصادي الصادر عن مركز الأبحاث الفنلندي VATT أشار إلى أن أثر القرار يعتمد على سلوك المستثمرين الأجانب، إذ إن انخفاض الضريبة وحده لا يكفي لجذب الاستثمار ما لم يترافق مع بيئة عمل مستقرة ونظام قضائي شفاف وتعليم عالي الجودة. ومع ذلك، خلص التقرير إلى أن فنلندا ما تزال من أكثر الدول استقرارًا وجاذبية في أوروبا الشمالية، خصوصًا بعد انضمامها إلى حلف الناتو، مما عزز صورتها كبيئة آمنة للأعمال والاستثمار. أحد الجوانب اللافتة في الخطة الحكومية هو تركيزها على التحول الأخضر كعنصر محوري في جذب المستثمرين. فالحكومة أعلنت عن حوافز ضريبية إضافية للمشاريع التي تلتزم بالمعايير البيئية وتعمل على تقليل الانبعاثات الكربونية. وتشمل هذه الحوافز تخفيضات ضريبية تصل إلى 50% من الأرباح المعاد استثمارها في مشاريع الطاقة المتجددة أو التقنيات النظيفة. هذا التوجه جعل فنلندا ضمن الدول الأوروبية الرائدة في دمج السياسات الاقتصادية والبيئية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات لتبني نماذج تنمية مستدامة. من الناحية العملية، بدأت بعض المؤشرات الإيجابية تظهر بالفعل بحلول منتصف عام 2025. فقد أعلنت وكالة الاستثمار الفنلندية (Business Finland) عن زيادة بنسبة 14% في الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنة بالعام السابق، مع اهتمام خاص من شركات ألمانية ويابانية بمجال البطاريات الخضراء والهيدروجين النظيف. كما أظهرت بيانات وزارة العمل ارتفاعًا طفيفًا في معدلات التوظيف في المدن الصناعية مثل تامبيري وأولو. رغم هذه النتائج الأولية المشجعة، فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة يبقى في تحقيق التوازن بين تشجيع رأس المال وحماية نظام الرفاه الاجتماعي. ففنلندا لطالما افتخرت بأنها نموذج فريد يجمع بين الاقتصاد الحر والدولة الراعية، وأي تحول جذري في سياستها الضريبية قد يعيد طرح سؤال الهوية الاقتصادية: هل تسير فنلندا نحو نموذج السوق الليبرالي الكامل، أم ستحتفظ بمبادئ العدالة والمساواة التي شكّلت أساس تجربتها الديمقراطية والاجتماعية؟

في البرلمان، عبّر بعض النواب المستقلين عن خشيتهم من أن خفض الضريبة سيؤدي إلى سباق تنافسي ضريبي بين دول الشمال الأوروبي، مما قد يضغط على الدول المجاورة لتقليص ضرائبها أيضًا. لكن الحكومة ردّت بأن سياستها تستند إلى دراسات مقارنة دقيقة مع دول مثل إستونيا والسويد، وأن معدل 18% لا يزال أعلى من المتوسط العالمي في الدول المتقدمة، وبالتالي لا يُعتبر خفضًا مفرطًا. ومع أن النقاش حول فعالية القرار سيستمر خلال الأعوام المقبلة، فإن الأكيد أن عام 2025 سيُذكر كنقطة مفصلية في توجهات السياسة الاقتصادية الفنلندية. فالحكومة تراهن على أن المرونة الضريبية، مقرونة بالاستثمار في التعليم والابتكار، ستجعل من فنلندا مركزًا جاذبًا للمواهب العالمية ورؤوس الأموال الخضراء. أما المعارضون، فيرون أن الرهان محفوف بالمخاطر إذا لم يُرافق بخطط واضحة لتعويض الخسائر في الإيرادات العامة. بين الحذر والطموح، تمضي فنلندا نحو اختبار جديد لاقتصادها: هل يمكن لدولة صغيرة تعتمد على المعرفة والشفافية أن تثبت أن النمو لا يتعارض مع العدالة، وأن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يتعايش مع دولة الرفاه؟ السنوات المقبلة وحدها ستجيب عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن عام 2025 دشّن مرحلة جديدة في تاريخ الاقتصاد الفنلندي، حيث تلتقي البراغماتية الليبرالية بروح الرفاه الاجتماعي في محاولة لإعادة تعريف نموذج النجاح الفنلندي في القرن الحادي والعشرين.

المصادر:
وزارة المالية الفنلندية – تقرير السياسات الضريبية 2025.
وكالة Business Finland – بيانات الاستثمار الأجنبي، يونيو 2025.
مركز البحوث الاقتصادية الفنلندية VATT – تحليل آثار خفض الضريبة، أبريل 2025.
هيئة الإذاعة الفنلندية Yle – مناقشات البرلمان حول قانون الضريبة الجديدة، مايو 2025.
Reuters – “Finland plans tax cuts to boost economy”, 24 أبريل 2025.