تعيش فنلندا منذ مطلع خريف 2025 مرحلة جديدة في نظامها الصحي مع بدء تجربة واسعة أطلقتها مؤسسة الضمان الاجتماعي "كيلا" تستهدف المواطنين الذين تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين. الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية عميقة، إذ أصبح بإمكان كبار السن زيارة طبيب عام في القطاع الخاص ودفع رسوم لا تتجاوز ما كانوا يدفعونه في المراكز الصحية العامة، بينما تتحمل كيلا الجزء الأكبر من الفاتورة. هذه الخطوة التي ستستمر حتى نهاية عام 2027 لا تأتي في فراغ، بل هي نتاج نقاش طويل حول أزمة الانتظار التي تعصف بالمراكز الصحية في البلاد والتي جعلت الكثير من المسنين يعانون من صعوبة في الحصول على مواعيد طبية أساسية، في وقت تتسارع فيه شيخوخة المجتمع الفنلندي بشكل غير مسبوق.
لفترة طويلة، ظل النظام الصحي العام في فنلندا مصدر فخر واعتزاز، فهو يوفر خدمات صحية شاملة ومجانية أو شبه مجانية لجميع المواطنين والمقيمين، ويعتمد على مبدأ المساواة في تقديم الرعاية. غير أن التغيرات الديموغرافية وضغط الطلب على الخدمات أدت إلى اهتزاز هذا النموذج المثالي. تشير تقارير رسمية إلى أن عدد من تجاوزوا الخامسة والستين في فنلندا سيزداد بشكل مضاعف خلال العقد القادم، وهو ما يرفع الحاجة إلى الرعاية الصحية بنسبة غير مسبوقة. ووفقًا لدراسة صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة، فإن أكثر من نصف كبار السن في بعض المناطق يضطرون للانتظار أسابيع طويلة قبل الحصول على موعد لدى طبيب عام، وهو أمر يترك أثرًا مباشرًا على جودة العلاج وعلى نوعية حياة المرضى وعائلاتهم.هنا تدخلت كيلا بمقترح تجريبي يوازن بين المحافظة على نظام الرعاية العامة وإدخال مرونة إضافية عبر إشراك القطاع الخاص في حدود مدروسة. فابتداءً من سبتمبر 2025 يمكن لكل مواطن تجاوز الخامسة والستين أن يستفيد من زيارتين مدعومتين لدى طبيب خاص في العام الأول، ثم ثلاث زيارات في العامين التاليين. لا يدفع المريض سوى مبلغ ثابت يبلغ 28.20 يورو عن كل زيارة، وهو ما يعادل تقريبًا الرسوم التي تُدفع في المراكز العامة، بينما تُحوّل كيلا باقي المبلغ مباشرة إلى الطبيب أو العيادة الخاصة. والأمر لا يتوقف عند الاستشارات الطبية، إذ تشمل التجربة أيضًا تعويضات جزئية عن الفحوص التشخيصية كالتحاليل المخبرية أو صور الأشعة، حيث يتحمل المريض نصف التكلفة فقط ضمن سقف محدد مسبقًا. بهذه الآلية، يضمن كبار السن سرعة أكبر في الوصول إلى الطبيب، دون الحاجة إلى الانتظار الطويل أو دفع تكاليف مرتفعة ترهق ميزانيتهم المحدودة.
لكن هذه التجربة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام الفنلندي على التكيف مع ضغوط شيخوخة السكان. فالحكومة تدرك أن الرعاية الصحية أصبحت من أثقل البنود على الموازنة الوطنية، حيث تصل تكاليفها إلى مليارات اليوروهات سنويًا، ومع تضاعف أعداد كبار السن فإن العبء المالي سيتضاعف أيضًا. لذلك، تم تخصيص نحو 28.8 مليون يورو لتمويل التجربة في عامها الأول، على أن يرتفع المبلغ إلى أكثر من 86 مليون يورو سنويًا في العامين التاليين، تتحمل الدولة ما يقارب نصفها عبر مخصصات مباشرة. هذا الاستثمار لا يُنظر إليه بوصفه كلفة إضافية فقط، بل باعتباره محاولة للوقاية من أعباء أكبر قد تنشأ إذا بقيت طوابير الانتظار طويلة، لأن التأخر في العلاج يؤدي غالبًا إلى تفاقم الحالات الصحية ودخول المرضى إلى المستشفيات بتكاليف أعلى بكثير. في المجتمع، لقيت التجربة ترحيبًا ملحوظًا من كبار السن وعائلاتهم، الذين رأوا فيها بارقة أمل لمعالجة مشكلة الانتظار التي طالما أرهقتهم. تقول إحدى السيدات السبعينية في مقابلة مع قناة "YLE" إنها كانت تنتظر أحيانًا أكثر من شهر للحصول على موعد في المركز الصحي، بينما تستطيع الآن حجز موعد لدى طبيب خاص خلال أيام قليلة برسوم في متناول يدها. مثل هذه الشهادات تعكس كيف يمكن لتغيير إداري محدود أن يحدث فرقًا ملموسًا في حياة الناس. لكن على الجانب الآخر، لا يخفي بعض الخبراء مخاوفهم من أن تتحول هذه الخطوة تدريجيًا إلى خصخصة جزئية للنظام الصحي، ما قد يؤدي إلى تفاوت في فرص الحصول على الرعاية بين المناطق المختلفة وبين الفئات الاجتماعية.
إحدى أبرز التحديات التي برزت منذ انطلاق التجربة هي تفاوت توافر الأطباء المشاركين بين المدن. ففي كوتكا مثلاً وُجدت أوقات متاحة بسهولة، بينما واجه سكان كوفولا صعوبة في العثور على مواعيد ضمن البرنامج. هذا التفاوت يعكس الفجوة التقليدية بين المدن الكبرى والمناطق الريفية أو الأقل كثافة سكانية، ويعيد طرح السؤال القديم حول العدالة في توزيع الخدمات داخل البلاد. ورغم انضمام نحو 400 مقدم خدمة خاص إلى التجربة، فإن التوزيع غير المتوازن يبقى عقبة حقيقية تحتاج إلى معالجة إذا كان الهدف هو تحقيق مساواة حقيقية في فرص الرعاية. من الناحية السياسية، انقسمت الآراء أيضًا. فقد أشاد بعض نواب حزب "الفنلنديين الحقيقيين" بالتجربة واعتبروها خطوة إنسانية لتخفيف معاناة كبار السن وتقصير فترات الانتظار. بينما عبّر آخرون عن قلقهم من أن يؤدي تمويل القطاع الخاص بهذه الطريقة إلى سحب الموارد من النظام العام بدلاً من إصلاحه من الداخل. وزارة الصحة من جانبها أكدت أن الهدف ليس إضعاف المراكز العامة، بل بالعكس، إذ إن تخفيف الضغط عنها عبر توزيع جزء من الطلب على القطاع الخاص سيمكنها من تحسين خدماتها على المدى الطويل.
من منظور اجتماعي أوسع، يمكن النظر إلى هذه التجربة كجزء من إعادة التفكير في مفهوم "الحق في الرعاية". فبدلاً من أن يبقى المواطن مقيدًا بمكان واحد أو بنظام واحد، تُفتح أمامه الآن مساحة اختيار محدودة لكنها كافية لتمنحه شعورًا أكبر بالتحكم في حياته الصحية. هذا الجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجانب الطبي، إذ تشير أبحاث عديدة إلى أن شعور المريض بالقدرة على الاختيار يزيد من التزامه بالعلاج ويعزز من رضاه عن الخدمة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحديات التي ما تزال ماثلة. فحتى لو وفرت التجربة مرونة أكبر، تبقى اللغة حاجزًا بالنسبة لبعض المسنين من خلفيات مهاجرة لا يتقنون الفنلندية أو السويدية جيدًا. في هذه الحالة، قد لا يكون الانتقال إلى القطاع الخاص حلاً كاملاً إذا لم تُوفَّر خدمات ترجمة أو دعم لغوي كافٍ. كما أن مسألة الاستدامة المالية تطرح نفسها بقوة: فهل تستطيع الدولة الاستمرار في تمويل هذه التجربة إذا تقرر تعميمها على فئات أخرى، مثل مرضى الأمراض المزمنة أو سكان المناطق النائية؟ وهل ستبقى التكاليف تحت السيطرة في ظل تضاعف الطلب المتوقع خلال السنوات القادمة؟
بعض الخبراء ذهب أبعد من ذلك، مقترحين توسيع التجربة لاحقًا لتشمل مجالات أخرى مثل الرعاية السنية أو الرعاية المنزلية. هذه الفكرة تحمل في طياتها وعودًا بزيادة المرونة، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا لنقاش أوسع حول حدود تدخل الدولة وحدود مشاركة القطاع الخاص. فإذا كان الهدف هو تعزيز الرعاية دون المساس بالمساواة، فإن صياغة ضوابط دقيقة ستكون أمرًا حاسمًا في المرحلة القادمة. السنوات الثلاث المقبلة ستشكل اختبارًا حقيقيًا لهذه المبادرة. فإذا أثبتت نجاحها في تقليص قوائم الانتظار وتحسين رضا المرضى دون أن ترفع التكاليف بشكل غير مستدام، فقد تصبح نموذجًا دائمًا يُدمج في النظام الصحي الفنلندي. أما إذا أظهرت التجربة أن الفوائد محدودة وأن المخاطر على العدالة الاجتماعية كبيرة، فقد تعود فنلندا إلى البحث عن بدائل أخرى أكثر توافقًا مع فلسفتها التقليدية في الرعاية الصحية. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه التجربة تعكس رغبة جادة في التجديد ومواجهة التحديات بدل الاكتفاء بالشعارات. هل تستطيع فنلندا من خلال هذه التجربة أن تجد توازنًا بين حق المواطن في رعاية عادلة وشاملة وبين الحاجة إلى المرونة والسرعة التي يفرضها الواقع الديموغرافي والاقتصادي؟ وهل سيستفيد كبار السن فعليًا من هذه الخطوة بما يعزز من جودة حياتهم، أم أنها ستظل مجرد حل مؤقت في مواجهة أزمة عميقة؟ الإجابة لن تأتي سريعًا، بل ستتبلور مع تراكم التجارب والتقييمات خلال السنوات القادمة، لتحدد ملامح مستقبل الرعاية الصحية في بلد يُعد من أكثر الدول حرصًا على العدالة الاجتماعية والإنسانية في خدماته العامة.
المصدر: Kela.fi – Yle.fi – Hyvinvointiala.fi – Suomenmaa.fi – Suomenuutiset.fi.
