العائلة في فنلندا
7 دقائق قراءة

توجيهات جديدة للشرطة الفنلندية في قضايا العنف الأسري حماية الضحايا فوق كل اعتبار

التوجيه الجديد يُعتبر أحد أهم التعديلات في السياسة الجنائية الفنلندية خلال السنوات الأخيرة، إذ يُلزم رجال الشرطة ببدء التحقيق في أيّ واقعة يُحتمل فيها وجود اعتداء داخل الأسرة حتى في حال رفض الضحية التعاون أو التعبير عن الرغبة في تقديم شكوى رسمية

Leïla Bn Ali
Leïla Bn Ali
كاتب المقال
٣١ أكتوبر ٢٠٢٥
توجيهات جديدة للشرطة الفنلندية في قضايا العنف الأسري حماية الضحايا فوق كل اعتبار

في أكتوبر 2025، أعلنت الشرطة الفنلندية (Poliisihallitus) عن إصدار تعليماتٍ جديدة موجّهة إلى جميع العاملين في صفوفها بخصوص التعامل مع حالات العنف الأسري والعنف في العلاقات القريبة، وذلك بعد أن أظهر تحقيق رسمي من مكتب نائب المستشار القانوني للدولة أن عددًا من القضايا في السنوات الأخيرة لم تُعالج وفقًا للقانون، إذ تم تجاهل بعض البلاغات أو اعتبارها “نزاعاتٍ عائلية” يمكن حلّها داخل الأسرة من دون فتح تحقيق رسمي. وقد أكدت القيادة العليا للشرطة أن هذه الممارسات غير مقبولة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تشديدًا شاملاً على وجوب فتح تحقيقٍ أولي في كل بلاغٍ مهما كانت درجة العنف أو رغبة الضحية في المتابعة. التوجيه الجديد يُعتبر أحد أهم التعديلات في السياسة الجنائية الفنلندية خلال السنوات الأخيرة، إذ يُلزم رجال الشرطة ببدء التحقيق في أيّ واقعة يُحتمل فيها وجود اعتداء داخل الأسرة حتى في حال رفض الضحية التعاون أو التعبير عن الرغبة في تقديم شكوى رسمية. ويأتي ذلك نتيجة إدراك السلطات أن كثيرًا من ضحايا العنف الأسري خصوصًا النساء والأطفال يتراجعون عن الإبلاغ أو التوضيح بسبب الخوف، أو الاعتماد المالي على المعتدي، أو الروابط العاطفية التي تجعلهم مترددين في خوض المسار القضائي. تشير التعليمات إلى أن جميع البلاغات المتعلقة بالعنف الأسري يجب أن تُسجّل رسميًا في النظام الوطني للشرطة، وألا تُترك دون متابعةٍ ميدانية. وتؤكد أن الاعتداء في العلاقات القريبة هو جريمة تقع تحت الملاحقة العامة (virallisen syytteen alainen rikos)، أي أن الدولة تتحمّل مسؤولية الملاحقة حتى لو لم يطلب الضحية ذلك. كما يُمنع وفق القانون الجديد التفاوض أو التسوية في حالات العنف الأسري، بما في ذلك “الاعتداء البسيط”، لأن هذه القضايا تُعدّ انتهاكًا للسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، ولا يمكن اعتبارها شأنًا عائليًا خاصًا.

وتُشير القيادة العامة للشرطة إلى أن الهدف الأساسي من التوجيه الجديد هو ضمان حماية الضحية ومنع تكرار العنف. فالعنف المنزلي غالبًا ما يتّخذ طابعًا دوريًا يتفاقم مع الزمن، وإذا لم تتدخل السلطات في الوقت المناسب، يتحول إلى خطرٍ على الحياة. وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن أكثر من نصف ضحايا العنف في فنلندا تعرّضوا له من شريكٍ حالي أو سابق، وأن نسبة كبيرة من البلاغات تُقدّم بعد تكرار الحادثة أكثر من مرة. ويأتي هذا القرار في سياق نقاشٍ واسع حول كيفية تعامل الشرطة مع جرائم العنف الأسري. فخلال العامين الماضيين، وُجهت انتقادات إلى بعض مراكز الشرطة بسبب إغلاق بلاغاتٍ دون تحقيقٍ كافٍ أو عدم توثيقها رسميًا بحجة أن الأطراف تصالحت أو أن الدليل غير كافٍ. لكن وفق القانون الفنلندي، فإن عدم وجود أدلةٍ كافية لا يعفي السلطات من واجبها في جمعها، ولا يبرر عدم فتح تحقيقٍ رسمي. ولهذا، شددت القيادة الجديدة على ضرورة تدريب عناصر الشرطة على التعامل الحساس مع هذه الحالات وتوثيق كل التفاصيل المتعلقة بها منذ لحظة البلاغ الأولى. كما تذكّر التعليمات الشرطة بأن العنف الأسري ليس دائمًا ماديًا، بل قد يشمل التهديد النفسي، أو العنف الاقتصادي، أو السيطرة المفرطة، وهي جميعها أشكال تُعاقب عليها القوانين الفنلندية وفق تعديل قانون العقوبات لعام 2023 الذي وسّع تعريف “العنف في العلاقة القريبة”. ويُلزم القانون السلطات بحماية الضحية عبر إبعاد المعتدي مؤقتًا عن المنزل إذا تبيّن أن وجوده يشكل خطرًا مباشرًا، حتى في حال عدم رغبة الضحية في اتخاذ هذا الإجراء.

وتشير تقارير صادرة عن وزارة الداخلية الفنلندية إلى أن الشرطة تتعامل سنويًا مع أكثر من 30 ألف بلاغٍ مرتبطٍ بالعنف الأسري، غير أن العدد الحقيقي يُقدّر بأنه ضعف ذلك، نظرًا إلى إحجام كثير من الضحايا عن الإبلاغ. وتُظهر الأبحاث أن الخطر الأكبر يكون في اللحظة التي يقرر فيها الضحية الانفصال أو التبليغ، ما يستدعي استجابةً سريعةً من السلطات لتأمين الحماية الفورية، بما في ذلك المأوى والمساعدة القانونية والنفسية. في الإرشادات الجديدة، طُلب من وحدات الشرطة التعاون الوثيق مع البلديات ومؤسسات الخدمات الاجتماعية ضمن خطة الاستجابة متعددة التخصصات (moniammatillinen yhteistyö). ويشمل ذلك تبادل المعلومات بين الجهات المختصة لتقييم الخطر وتقديم المساعدة الشاملة للضحايا، وخاصةً للأطفال الذين يشهدون العنف المنزلي. فوفق الدراسات، فإن التعرض للعنف في الطفولة يزيد احتمال تكراره في مرحلة البلوغ، سواء كضحية أو كمعتدي، ما يجعل الوقاية المبكرة عنصرًا أساسيًا في السياسات الاجتماعية. وتؤكد التعليمات كذلك أن التحقيق يجب أن يبدأ حتى لو لم يكن هناك دليلٌ ماديّ واضح في البداية، إذ يمكن للشرطة استخدام أدوات التقييم الحديثة مثل تسجيل آثار العنف عبر الفحص الطبي، والاستماع إلى الجيران أو الأقارب، وجمع الأدلة الرقمية من الهواتف والكاميرات المنزلية. كما يُطلب من المحققين توثيق الحالة في النظام الجنائي الموحد لتسهيل المتابعة من قبل النيابة العامة.

يأتي هذا التوجّه ضمن جهود أوسع تبذلها فنلندا لمكافحة ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي. فبحسب تقرير صادر عن المعهد الفنلندي للصحة والرعاية الاجتماعية (THL)، تحتل فنلندا مكانة متقدمة في أوروبا من حيث انتشار العنف ضد النساء مقارنةً بعدد السكان، على الرغم من مستوى المساواة القانوني المرتفع. ويشير التقرير إلى أن نحو ثلث النساء في فنلندا تعرّضن لشكلٍ من أشكال العنف الأسري مرةً واحدة على الأقل في حياتهن، وأن ثلث هذه الحالات لم تُبلّغ للشرطة. وبالإضافة إلى الجانب الجنائي، تولي الحكومة اهتمامًا خاصًا بالجانب الوقائي عبر برامج تثقيفٍ مجتمعية. فوزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية والصحة أطلقتا في عام 2024 خطة وطنية جديدة بعنوان Turvassa kotona (“الأمان في المنزل”)، تهدف إلى تدريب العاملين في المدارس والمراكز الصحية على رصد علامات العنف الأسري في وقتٍ مبكر. ويُتوقع أن يُدمج هذا البرنامج مع التعليمات الجديدة للشرطة لضمان نهجٍ موحّد في التعامل مع الضحايا. وتشمل خطة الشرطة الجديدة أيضًا إجراءات داخلية للمساءلة، إذ يتوجب على كل مركز شرطة تقديم تقارير دورية حول كيفية معالجة قضايا العنف الأسري، مع متابعةٍ مركزية من قيادة الشرطة الوطنية. ويجري تطوير نظامٍ رقمي موحد لتصنيف القضايا ومراقبة مدى التزام الوحدات المحلية بفتح التحقيقات فور تلقي البلاغات. الهدف من ذلك هو إنهاء التفاوت بين المناطق وضمان أن يحصل كل ضحيةٍ في البلاد على نفس مستوى الحماية. كما تتضمّن التوجيهات توصيةً بإنشاء وحدات متخصصة داخل الشرطة مكوّنة من محققين مدرّبين في القضايا الأسرية، بالتعاون مع خبراء علم النفس الاجتماعي. ويُنتظر أن يؤدي هذا إلى تحسين نوعية الاستجوابات وتقليل احتمال إعادة إيذاء الضحايا أثناء التحقيق، وهي مشكلةٌ كانت تثير انتقادات في السابق حين كانت بعض المقابلات تُجرى بطريقةٍ رسمية قاسية لا تراعي الحساسية النفسية للموقف.

ويأتي هذا التغيير في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية للمطالبة بمزيدٍ من الحماية للضحايا. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد الوطني للبحوث الاجتماعية أن أكثر من 80٪ من الفنلنديين يؤيدون تشديد العقوبات في قضايا العنف الأسري، وأن نصف المستطلعين تقريبًا يعتقدون أن الشرطة لم تكن تتعامل بجديةٍ كافية مع هذه البلاغات في الماضي. ومن هنا جاء التركيز على إعادة بناء الثقة بين المواطنين والشرطة من خلال سياساتٍ أكثر شفافيةٍ واستجابة. من ناحيةٍ قانونية، يُعدّ هذا التوجيه تجسيدًا لتطوّر الفهم الأوروبي لمفهوم “الحق في الحماية”. فوفق اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة العنف ضد النساء (اتفاقية إسطنبول)، التي صادقت عليها فنلندا عام 2015، تقع على عاتق الدولة مسؤولية التدخل الاستباقي في حالات العنف الأسري حتى دون تقديم شكوى رسمية، وهو ما يعكس التزام فنلندا بالمعايير الدولية في حماية الضحايا. وتُظهر هذه التطورات أن فنلندا تتجه نحو نموذج جديد في العدالة الجنائية يوازن بين الصرامة القانونية والإنسانية الاجتماعية. فالدولة لم تعد تعتبر العنف المنزلي “قضية عائلية”، بل انتهاكًا لحقوق الإنسان يتطلب استجابةً مؤسسية شاملة. وبينما يظلّ التحدي في تطبيق هذه السياسات على أرض الواقع، فإن التوجيه الجديد يُعدّ خطوةً جوهرية نحو بناء ثقافة مؤسسية لا تتسامح مع العنف داخل الأسرة، وتضع كرامة الفرد وأمنه في قلب أولويات العدالة الفنلندية. لا يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل يعكس تحولًا ثقافيًا عميقًا في رؤية الدولة للعلاقات الأسرية. فحماية الضحية لم تعد مرهونة بإرادتها أو بقدرتها على المقاومة، بل أصبحت واجبًا مؤسسيًا يقع على عاتق الجميع: من رجل الشرطة الذي يتلقى البلاغ، إلى القاضي الذي يصدر الحكم، إلى الجار الذي يقرر ألا يصمت. إنها رسالة واضحة من المجتمع الفنلندي مفادها أن السلام داخل المنزل هو جزءٌ لا يتجزأ من السلام الوطني، وأن كرامة الفرد هي خطّ الدفاع الأول عن أمن الدولة ومبادئها الديمقراطية.