تشهد الجامعات الفنلندية اعتبارًا من عام 2025 إصلاحًا جديدًا في نظام تمويلها، حيث أعلنت وزارة التعليم والبحث أن 3% من التمويل سيُخصّص بناءً على عدد الطلاب الملتحقين لأول مرة. هذا التغيير يهدف إلى تشجيع الجامعات على جذب شرائح جديدة من الطلاب وضمان أن التعليم العالي يبقى مفتوحًا ومرنًا أمام مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية. وفقًا لتقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها وسيلة لرفع معدلات التعليم العالي وتحقيق المساواة في فرص الوصول إليه (oecd.org).
في السنوات الأخيرة، أعربت الحكومة الفنلندية عن قلقها من تراجع أعداد الطلاب الذين يكملون تعليمهم الجامعي، مقارنة بمتوسط دول الشمال الأوروبي. وقد أظهرت الإحصاءات أن بعض المجموعات، وخاصة الطلاب من خلفيات مهاجرة، يواجهون تحديات أكبر في الالتحاق بالجامعات. ولذلك، يُتوقع أن يفتح هذا الإصلاح الباب أمام فرص أكبر للناطقين باللغة العربية وغيرهم من المهاجرين، خاصة أولئك الذين قد لا يمتلكون الموارد أو الخبرة الكافية للتنقل في نظام التعليم العالي المعقد. من بين أهداف هذا الإصلاح أيضًا دعم التعليم المستمر و"التعلم مدى الحياة"، حيث يمكن للبالغين الذين لم يدخلوا الجامعة في سن مبكرة أن يجدوا الآن فرصًا أفضل للالتحاق، مما ينعكس إيجابيًا على سوق العمل الذي يعاني من نقص في الكفاءات. وبهذا، فإن الجامعات لا تصبح فقط مؤسسات أكاديمية تقليدية، بل منصات أكثر انفتاحًا ومرونة تستجيب لاحتياجات المجتمع والاقتصاد.
لكن، وعلى الرغم من الطابع الإيجابي للإصلاح، ثمة تساؤلات حول مدى قدرة الجامعات على استيعاب أعداد أكبر من الطلاب دون التأثير على جودة التعليم. فزيادة القبول تعني الحاجة إلى مزيد من الموارد الأكاديمية والإدارية، وهو ما يتطلب دعمًا ماليًا إضافيًا. بعض النقابات الطلابية حذرت من أن التركيز على الكم قد يأتي على حساب النوعية إذا لم يتم التعامل معه بحذر. بالنسبة للناطقين باللغة العربية في فنلندا، يمكن أن يمثل هذا التغيير فرصة حقيقية. فالكثير من الشباب الذين أنهوا تعليمهم الثانوي يواجهون حواجز لغوية وثقافية تحول دون إكمال مسارهم الجامعي. ومن خلال هذا الإصلاح، يمكن أن يجدوا دعمًا إضافيًا وتشجيعًا أكبر للالتحاق بالجامعات، خاصة إذا اقترن ذلك ببرامج مساندة مثل الدروس التحضيرية أو المنح الدراسية الموجهة. كما يمكن أن تستفيد الأسر الناطقة بالعربية من هذا التغيير باعتباره وسيلة لتأمين مستقبل أكاديمي ومهني أفضل لأبنائها. إلى جانب ذلك، من المتوقع أن يدفع الإصلاح الجامعات إلى تطوير استراتيجيات أكثر شمولية في جذب الطلاب، مثل التعاون مع المدارس الثانوية، وتقديم جلسات تعريفية باللغات الأجنبية، وتوسيع نطاق الخدمات الإرشادية. وهذا قد يُسهم في تقليص الفجوة التعليمية بين الطلاب الفنلنديين الأصليين والطلاب من خلفيات مهاجرة. يمثل تعديل تمويل الجامعات ابتداءً من عام 2025 خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز فرص التعليم العالي للجميع، مع تركيز خاص على فئة الملتحقين لأول مرة. غير أن نجاح هذا الإصلاح سيعتمد على قدرة الجامعات والسلطات التعليمية على موازنة بين التوسع الكمي والحفاظ على الجودة الأكاديمية. ويبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن فنلندا من جعل التعليم العالي أكثر شمولًا وإنصافًا، أم أن التحديات العملية ستحد من فعالية هذا التغيير؟
