لطالما كان نظام إعانة البطالة الفنلندي، سواء الأساسي الذي تدفعه مؤسسة الضمان الاجتماعي (Kela) أو القائم على الدخل عبر صناديق البطالة النقابية، يوفر شبكة أمان قوية نسبياً، تتوافق مع النموذج الشمالي للرفاهية الذي يجمع بين الدعم الاجتماعي وتشجيع العودة إلى العمل. ومع ذلك، منذ عام 2024، دخلت فنلندا مرحلة جديدة من الإصلاحات التشريعية التي تستهدف بشكل مباشر شروط استحقاق إعانة البطالة، مدفوعة بضرورة سياسية لـ "زيادة الحافز للعمل" (Työnteon kannustin) وكبح جماح الإنفاق العام. هذه التعديلات، التي تم تمريرها عبر البرلمان (Eduskunta)، تذكرنا في جوهرها الجدلي بالخلفية التاريخية للنموذج النشط (Aktiivimalli) الذي تم إلغاؤه في عام 2024، ولكنها جاءت هذه المرة في شكل إجراءات أكثر شمولاً وتأثيراً مباشراً على الدخل المتاح للعاطلين عن العمل، مما أدى إلى تصاعد التوتر بين الحكومة والمنظمات العمالية. السردية الأساسية في النقاش لم تعد تدور حول "مكافأة النشاط" كما كان في السابق، بل حول "معاقبة التقاعس" أو، في أحسن الأحوال، "إلزامية النشاط" لضمان استمرارية الدعم المالي، وهو ما يهدد بتآكل ثقة العمال والمنظمات النقابية في حيادية وعدالة النظام الاجتماعي. هذه التحولات، التي طالت جوانب مثل الدخل المحمي وفترة الانتظار وعلاوة الطفل، لا تُعد مجرد تعديلات تقنية، بل هي إعادة تعريف للحقوق والمسؤوليات في سوق العمل الفنلندي المعاصر، وتضع آلاف الأسر أمام تحديات مالية جديدة ومعقدة.
إزالة شبكات الأمان الجزئية إلغاء الحماية المكتسبة وزيادة فترة الأهلية وتأثيرها على العمل الجزئي
تتركز الإصلاحات التشريعية الأخيرة التي نفذتها الحكومة الفنلندية على إزالة الآليات التي كانت تسمح للعاطلين عن العمل بكسب دخل إضافي دون خسارة فورية وكبيرة لدعم البطالة، إلى جانب تشديد الشروط الزمنية للحصول على الدعم نفسه. وهذه الإجراءات تمثل تحولاً جوهرياً في كيفية تعامل النظام مع العاطلين الذين يعملون بدوام جزئي أو يشاركون في وظائف قصيرة الأجل.
أول وأبرز هذه التعديلات، التي دخلت حيز التنفيذ في بداية عام 2024، هو إلغاء الجزء المحمي من الدخل (Suojaosa). كان هذا الجزء المحمي يسمح للعاطل عن العمل بكسب ما يقرب من 300 يورو شهرياً دون أن يؤثر ذلك على قيمة إعانة البطالة. وكان الهدف من هذا الإجراء هو تشجيع العاطلين على قبول أي عمل جزئي أو عرض مؤقت، مهما كان قصيراً أو متقطعاً، للمساعدة في اكتساب الخبرة والحفاظ على التواصل مع سوق العمل. ووفقاً لـ نقابة (SAK)، فإن إلغاء هذه الحماية يعني أن أي دخل مكتسب من العمل الجزئي سيتم خصمه بشكل فوري تقريباً من إعانة البطالة، مما يقلل بشكل كبير من الحافز المالي لقبول هذه الأعمال. تعتبر المنظمات العمالية هذا الإلغاء "عقاباً" للنشاط، حيث أنه يضع العمال ذوي الدخل المنخفض في ما يسمى بـ "فخ الفقر" (Köyhyysloukku)، حيث يصبح العمل الجزئي غير مجدٍ اقتصادياً مقارنة بالاعتماد الكلي على الدعم. هذا السردية تتناقض مباشرة مع الهدف المعلن للحكومة بـ "زيادة الحافز للعمل"، إذ أنه يقلل من صافي الدخل المتاح للعمالة الأكثر ضعفاً.
ثانياً، تم تشديد شروط الأهلية للحصول على بدل البطالة القائم على الدخل (Ansiopäiväraha)، وهو الدعم الذي يتم دفعه عبر صناديق البطالة. تم رفع شرط العمل (Työssäoloehto) المطلوب من ستة أشهر إلى اثني عشر شهراً من العمل ضمن فترة استحقاق معينة. هذا التمديد، الذي بدأ تطبيقه في عام 2024، يؤخر بشكل كبير حصول العمال الجدد في السوق أو العائدين إليه بعد انقطاع طويل على الدعم النقابي الأعلى. بالنسبة للعمال غير النقابيين، يتم تطبيق تشديد مماثل على شروط الأهلية لدعم كيلا. ويزيد هذا الإجراء من الضغط المالي على العمالة المؤقتة أو أولئك الذين يعملون في قطاعات تعتمد على العقود قصيرة الأجل، حيث يصبح عليهم إثبات سنة كاملة من العمل بدلاً من ستة أشهر للاستفادة من الدعم الأفضل.
ثالثاً، تضمنت التغييرات إلغاء علاوة الطفل (Lapsikorotukset) التي كانت تُمنح على إعانة البطالة، وكذلك تجميد المؤشر (Indeksi-jäädytys) لعدد كبير من الإعانات الأساسية. إلغاء علاوة الطفل يضرب مباشرة الأسر التي تعتمد على إعانة البطالة، مما يزيد من فقر الأطفال، في حين أن تجميد المؤشر يعني تدهوراً حقيقياً في القوة الشرائية للدعم في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. هذه الإجراءات مجتمعة تضعف شبكة الأمان الاجتماعي بشكل ملحوظ، وتحول التركيز من دعم الدخل إلى ضغط الأفراد للبحث عن عمل بغض النظر عن جودة أو استدامة هذا العمل.
إلزامية النشاط وتدهور الثقة النقابية مقارنة بين النموذج القديم والتحولات الجديدة
برغم أن الحكومة الفنلندية لم تعد إحياء "النموذج النشط" (Aktiivimalli) بالاسم بعد إلغائه بقرار البرلمان في عام 2024، إلا أن التشريعات الجديدة تعكس نفس الفلسفة الأساسية: ربط الدعم المالي بالتزام العاطل عن العمل بنشاط إجباري وموثق، وتطبيق عقوبات فورية في حال عدم الامتثال.
كان النموذج النشط القديم يفرض على المستفيد من إعانة البطالة إثبات نشاط لمدة 18 أسبوعاً (مثل العمل بدوام جزئي أو المشاركة في خدمات التوظيف) خلال كل 65 يوماً من الحصول على الدعم، وإلا يتم خفض الإعانة بنسبة 4.65%. كان هذا النموذج مثيراً للجدل لأنه فرض النشاط حتى لو لم توفر وكالات التوظيف (TE-palvelut) الفرص المناسبة، مما أدى إلى موجة غضب عارمة وإلغائه. اليوم، تأتي الإجراءات الجديدة لخدمات التوظيف (TE-palvelut) تحت مسمى الالتزام بـ "خطة الباحث عن العمل" (Työnhakijan suunnitelma). فبموجب التشريعات الجديدة، أصبح إلزامياً على العاطل عن العمل وضع خطة بحث شخصية عن العمل ومتابعتها بدقة مع خدمات التوظيف. الأهم من ذلك، يتم الآن زيادة وتيرة المقابلات الإلزامية والاتصال بين الباحث عن العمل والخدمات بشكل كبير، مما يفرض رقابة أكبر على النشاط. وفي حال فشل الباحث عن العمل في إثبات التزامه بالخطة أو رفضه عرض عمل مناسب أو تدريب، فإنه يواجه عقوبات أشد تصل إلى تخفيض الدعم أو فقدانه لفترة محددة (Karenssi)، وهو ما يتم تحديده الآن بدقة أكبر في القانون الجديد.
هذه الزيادة في الإلزامية والرقابة، إلى جانب التخفيضات المالية المباشرة (إلغاء الجزء المحمي)، قد أدت إلى تدهور حاد في ثقة المنظمات العمالية الكبرى، مثل المركزية العمالية (SAK). ترى النقابات أن هذه الإجراءات لا تعالج السبب الجذري للبطالة - وهو نقص فرص العمل في مناطق معينة أو نقص التدريب المناسب - بل تكتفي بـ "تخويف" العاطلين عن العمل وتضييق الخناق المالي عليهم. ويشدد خطاب النقابات على أن التخفيضات المالية تؤثر بشكل غير متناسب على العمال ذوي الأجور المنخفضة والذين يعملون بدوام جزئي، مما يزيد من عدم المساواة الاجتماعية بدلاً من حل مشكلات سوق العمل الهيكلية. إن السردية الجديدة في سوق العمل الفنلندي، التي يغذيها هذا التشديد، تتحول نحو التضحية بجودة الحياة والأمان المالي للفئات الأضعف من أجل تحقيق أهداف الميزانية الحكومية والتحفيز القسري للبحث عن عمل. وقد حذرت تحليلات شبكة YLE الإخبارية من أن هذا التوتر السياسي والاجتماعي قد يؤدي إلى مزيد من الإضرابات أو الاضطرابات في سوق العمل، حيث ترى المنظمات العمالية أن الحكومة تهاجم مبادئ أساسية في النموذج الفنلندي المتعلقة بـ "الحماية الشاملة" و**"التفاوض الثلاثي"** بين الحكومة والنقابات وأصحاب العمل. وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن الإصلاحات المالية، برغم ضرورة بعضها لضبط الميزانية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، من خلال إضعاف ثقة العمال في النظام العام وتقليل رغبتهم في الانخراط في عمل جزئي وغير مستقر.