لطالما عُرفت فنلندا بنظامها السخي والمنظم للرعاية الاجتماعية، والذي تديره بالدرجة الأولى مؤسسة الضمان الاجتماعي (Kansaneläkelaitos)، المعروفة اختصاراً بـ "كيلا" (Kela). هذا النظام، الذي يضمن حداً أدنى من الرفاهية لجميع المقيمين، يمثل حجر الزاوية في النموذج الشمالي، حيث يجمع بين الأمن الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية. ومع ذلك، تشهد فنلندا في الوقت الراهن سلسلة من الإصلاحات التشريعية العميقة التي تهدف إلى إعادة هيكلة هذا النظام، مدفوعة بضرورات مالية (كبح جماح الدين العام) وأهداف هيكلية (تعزيز مستويات التوظيف). هذه التحديثات، التي تقودها الحكومة وتمر عبر البرلمان (Eduskunta)، ليست مجرد تعديلات تقنية، بل هي تحول جوهري في فلسفة الدعم، يحمل في طياته آثاراً اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق على جميع شرائح المجتمع الفنلندي. إن الهدف الرئيسي المعلن لهذه الإصلاحات، والتي بدأ تطبيق الكثير منها في عامي 2024 و 2025 ومن المقرر أن تستمر حتى عام 2026، هو تحسين وضع المالية العامة للدولة من جهة، وتحفيز الأفراد على قبول العمل بدلاً من الاعتماد على الإعانات من جهة أخرى. لكن السردية الحكومية القائمة على "ضرورة الإصلاح" تواجه نقاشاً مجتمعياً وتحليلاً متعمقاً من جهات مثل المعهد الفنلندي للصحة والرفاهية (THL) ووزارة الشؤون الاجتماعية والصحة (STM)، اللذين حذرا من أن هذه التغييرات قد تؤدي إلى زيادة الفقر، خاصة بين الفئات التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الاجتماعي.
الأساس التشريعي والتغيرات الهيكلية الكبرى (2024-2025)
تتركز التغييرات التي أقرتها الحكومة الفنلندية على ثلاثة محاور رئيسية ضمن خدمات "كيلا" الأساسية: دعم السكن، وإعانات البطالة، وتجميد المؤشر (Indeksi-jäädytys) لعدد كبير من المنافع الاجتماعية.
إصلاح نظام دعم السكن العام (Yleinen Asumistuki)
كان دعم السكن العام من أكثر الإعانات التي تعرضت لإعادة هيكلة جذرية. ففي فنلندا، حيث تشكل تكاليف السكن عبئاً كبيراً، يعد هذا الدعم شريان حياة لمئات الآلاف من الأسر والطلاب. وقد تضمنت التغييرات التشريعية التي أقرها البرلمان (Eduskunta) ما يلي:
خفض نسبة التعويض تم خفض نسبة تعويض نفقات السكن المؤهلة من 80% إلى 70%. هذا يعني أن الأسر ستتحمل نسبة أكبر من إجمالي تكاليف الإيجار والمرافق.
زيادة نسبة "المسؤولية الذاتية" (Perusomavastuu) تم زيادة النسبة التي يتم احتسابها كمسؤولية ذاتية أساسية للأسرة قبل بدء احتساب الدعم، حيث ارتفعت نسبة احتساب الدخل الذي يزيد عن الحد الأدنى من 42% إلى 50%. هذا التعديل يشدد تأثير الدخل المكتسب على قيمة الدعم.
إلغاء العلاوة المكتسبة (Ansiotulovähennys) تم إلغاء الإعفاء الضريبي للدخل المكتسب (حوالي 300 يورو شهرياً) الذي كان مسموحاً به للعمال ذوي الدخل المنخفض قبل أن يؤثر على قيمة الدعم. كان هذا الإلغاء أحد التدابير المباشرة لـ "زيادة الحافز للعمل"، لكن النقاد يرون أنه يضر بالعمالة الجزئية ويجعل العمل لساعات قليلة غير مجدٍ اقتصادياً.
إنهاء دعم السكن للملاك (1.1.2025) اعتباراً من يناير 2025، لم يعد يتم دفع دعم السكن العام لأصحاب المنازل (Omistusasunto). هذا القرار يؤثر على شريحة من المتقاعدين والفقراء الذين يملكون منازلهم بتكاليف صيانة أو قروض.
نقل الطلاب (1.8.2025) سيتم نقل معظم الطلاب من مظلة دعم السكن العام إلى نظام علاوة السكن المضمنة في دعم الدراسة (Opintotuen asumislisä)، وهي علاوة ذات سقف أدنى وأكثر صرامة، مما يقلل بشكل كبير من الدعم المتاح للعديد من الطلاب، باستثناء أولئك الذين يعيشون مع طفل أو شريك (المصدر: Kela.fi، تقارير Eduskunta).
2. تشديد شروط إعانات البطالة (Työttömyysturva)
تهدف التعديلات على إعانات البطالة إلى جعل الاعتماد على الدعم المالي أصعب لفترة أطول، وبالتالي دفع الباحثين عن عمل إلى سوق العمل.
إلغاء الحماية المكتسبة (Suojaosa) اعتباراً من عام 2024، تم إلغاء الجزء المحمي من دخل العمل (300 يورو شهرياً) الذي كان لا يؤثر على قيمة إعانة البطالة، مما يعني أن أي دخل مكتسب من العمل الجزئي سيؤدي إلى خفض إعانة البطالة بشكل فوري. هذا الإلغاء يهدف إلى تبسيط النظام لكنه يقلل من صافي دخل العاملين بدوام جزئي بشكل كبير.
إلغاء الزيادات على أساس الخدمات (Korotusosa) توقف دفع الزيادة في الدعم (Korotusosa) التي كانت تُمنح للعاطلين عن العمل أثناء مشاركتهم في برامج وخدمات التوظيف (Työllistymistä edistävän palvelun). هذا يقلل من الحافز المالي للمشاركة في التدريب أو إعادة التأهيل المهني.
زيادة فترة الأهلية (Työssäoloehto) يتم العمل على زيادة الفترة المطلوبة من العمل (شروط الأهلية) للحصول على بدل البطالة القائم على الدخل (Ansiopäiväraha) من ستة أشهر إلى اثني عشر شهراً، مما يؤخر بشكل كبير حصول العمال الجدد أو الذين يعودون إلى العمل بعد انقطاع طويل على الدعم.
إلغاء علاوة الطفل (Lapsikorotukset) تم إلغاء الإضافات التي كانت تُمنح على إعانة البطالة عن كل طفل معال، مما يضرب مباشرة الأسر التي تعتمد على هذا الدعم.
3. تجميد المؤشرات (Indeksi-jäädytys)
أحد الإجراءات الأفقية الأشد تأثيراً هو تجميد الزيادات السنوية المرتبطة بالمؤشر (Kansaneläkeindeksi) لعدد كبير من الإعانات الأساسية حتى عام 2027. هذا التجميد يشمل الإعانات اليومية الأساسية لدعم البطالة، ومعظم إعانات الرعاية الأبوية (Lastenhoidon tuet)، باستثناء إعانة الطفل (Lapsilisä) التي شهدت زيادات طفيفة، والحد الأدنى من الدعم الذي تدفعه "كيلا". في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة (خاصة الأدوية والخدمات الصحية)، فإن تجميد المؤشر يعني تدهوراً حقيقياً في القوة الشرائية لهذه المبالغ، وبالتالي ضعفاً متزايداً في شبكة الأمان الاجتماعي. (المصدر: تقارير Kela حول التغييرات لعامي 2024 و 2025).
الآثار الاجتماعية العميقة صراع على البقاء في ظل التقشف
إن الآثار المتراكمة لهذه التغييرات على الفئات الأكثر ضعفاً كانت موضوع تقارير وتحذيرات متكررة من المؤسسات الاجتماعية والصحية الفنلندية.
1. زيادة الاعتماد على دعم الملاذ الأخير (Toimeentulotuki)
أظهر تحليل المعهد الفنلندي للصحة والرفاهية (THL) أن التخفيضات في الإعانات الأساسية (مثل دعم السكن وإعانة البطالة) لا تحقق التوفير المرجو بالكامل، بل تؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد الأفراد الذين يضطرون إلى اللجوء إلى "دعم سبل العيش الأساسية" (Perustoimeentulotuki)، وهو دعم الملاذ الأخير الذي تدفعه "كيلا". تشير التقديرات المعدلة لـ THL إلى أن التخفيضات الحكومية في 2024–2025 قد تزيد عدد متلقي دعم الملاذ الأخير بحوالي 30,000 شخص إضافي. هذا لا يشير فقط إلى تحويل عبء التكلفة داخل النظام الاجتماعي بدلاً من خفضه (المصدر: تقرير THL، 25.8.2025)، بل يدل أيضاً على أن شبكة الأمان الأساسية قد ضعفت، مما يجبر الناس على الوقوع في شباك الفقر الأكثر عمقاً.
2. تدهور وضع الشباب والأسر ذات الدخل المنخفض
التخفيضات طالت بشكل خاص العائلات ذات الدخل المنخفض والعائلات وحيدة الوالد (Yhden vanhemman perheet). إلغاء علاوة الطفل في إعانة البطالة، جنباً إلى جنب مع إزالة "الجزء المحمي" من دخل العمل، يؤثر بشكل مباشر على الآباء الذين يكافحون للحصول على عمل جزئي لزيادة دخلهم. كما أن الزيادات في أسعار الخدمات الصحية والمخصصات الذاتية للأدوية (Lääkkeiden alkuomavastuu)، والتي تم ربطها أيضاً بالمؤشر، تفرض ضغطاً إضافياً على دخل الأسر المعرضة للخطر. وقد أظهرت تحليلات "كيلا" أن فئة الشباب (20-29 عاماً) هي الأكثر عرضة لزيادة معدلات الفقر بنسبة تصل إلى 1.5 نقطة مئوية نتيجة لتلك التغييرات، خاصة أولئك الذين يعيشون بمفردهم أو يعتمدون على إعانة البطالة (المصدر: Kela.fi، تقرير يناير 2024).
التحديات الاقتصادية حافز العمل مقابل فخ الفقر
يُصر الداعمون للإصلاحات على أن الهدف النهائي هو تحسين "الحافز للعمل" (Työnteon kannustin) من خلال زيادة الفرق في الدخل الصافي بين الحصول على إعانة والعمل. لكن التطبيق العملي للتدابير يكشف عن تعقيدات كبيرة:
1. تأثير إلغاء الحماية على العمل الجزئي
لقد كان إلغاء "الجزء المحمي" (Suojaosa) من دعم البطالة سيفاً ذا حدين. فمن جهة، قد يشجع البعض على البحث عن عمل بدوام كامل، لكن من جهة أخرى، فإنه يُعاقب العاطلين الذين يجدون عملاً جزئياً أو مؤقتاً. كان الجزء المحمي يسمح للعاطلين باكتساب خبرة عمل دون خسارة فورية وكبيرة لدخلهم الإجمالي. اليوم، مع تطبيق التخفيضات، أصبح العمل الجزئي أقل جدوى اقتصادياً بكثير، مما قد يدفع الأفراد إلى التردد في قبول وظائف قصيرة الأجل أو العمل على أساس الساعة، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعقيد وضعهم المالي أو إفقادهم جزءاً من إعانتهم، وهو ما يُعرف بـ "فخ الفقر" (Köyhyysloukku).
2. عدم اليقين بشأن "اليومية العامة" (Yleistuki)
بالتزامن مع هذه التخفيضات، اقترحت الحكومة الفنلندية مفهوماً جديداً يُعرف بـ "اليومية العامة" (Yleistuki)، والذي من المقرر أن يحل محل إعانة البطالة الأساسية (Peruspäiväraha) ودعم سوق العمل (Työmarkkinatuki) اعتباراً من 1.5.2026. الميزة الرئيسية لليومية العامة هي تبسيط النظام وزيادة الشفافية في كيفية تدرج الدخل المكتسب مقارنةً بالدعم الحكومي (المصدر: Kela.fi، سبتمبر 2025). ومع ذلك، فإن تفاصيل التطبيق اللاحقة لهذه "اليومية العامة"، خصوصاً كيفية تأثير الدخول غير المرتبطة بالعمل (كالدخل الرأسمالي) عليها، لا تزال قيد النقاش التشريعي. وهذا التأخير في توضيح الصورة المستقبلية يضيف طبقة من عدم اليقين على متلقي الدعم.
إعادة تشكيل الرفاهية الفنلندية
يمثل التحول في نظام "كيلا" للدعم الأساسي لحظة فارقة في تاريخ السياسة الاجتماعية الفنلندية. فبينما تسعى الحكومة جاهدة إلى تحقيق استقرار الميزانية وتعزيز معدلات التوظيف، فإن الأدلة المستمدة من تحليلات THL و STM تشير إلى أن الثمن الاجتماعي لهذه الإصلاحات قد يكون باهظاً، خاصة بالنسبة لأكثر الفئات عرضة للخطر. إن تجميد المؤشرات، وتخفيضات دعم السكن، وتشديد شروط البطالة، جميعها عوامل متراكمة تضعف قوة شبكة الأمان الاجتماعي. وعلى الرغم من أن التبسيط المستقبلي للإعانات من خلال مفهوم "اليومية العامة" قد يحمل بعض الأمل في نظام أكثر كفاءة، إلا أن التأثير الفوري لهذه التغييرات هو زيادة ملحوظة في الفقر والاعتماد على دعم الملاذ الأخير. إن السرد الفنلندي الآن يتحول من "الرفاهية الشاملة" إلى "الرفاهية المقيدة"، حيث يتم إعادة تعريف التوازن بين المسؤولية الفردية والدعم الحكومي. وسيعتمد نجاح هذه الإصلاحات على ما إذا كانت ستتمكن من تحقيق أهدافها الاقتصادية دون تفكيك القيم الأساسية للمساواة والعدالة الاجتماعية التي بني عليها النموذج الشمالي. ستبقى متابعة بيانات "كيلا" وإحصائيات THL هي المؤشر الحقيقي الذي سيحدد مستقبل الرفاهية في فنلندا.
المصادر :
Kansaneläkelaitos (Kela) – Ajankohtaista / Tiedotteet (vuosilta 2024 ja 2025).
Sosiaali- ja terveysministeriö (STM) – Muistiot ja yhteisvaikutusarviot 2024-2025.
Terveyden ja hyvinvoinnin laitos (THL) – Laskentamallit ja uutiset.
Eduskunta – Hallituksen esitykset (HE) ja Säädökset työttömyysturvaan ja asumistukeen.
