التحقيقات والدراسات
6 دقائق قراءة

انخفاض طلبات الحصول على الجنسية الفنلندية عام 2024 قراءة في ملامح الاندماج والتنوع

ومن حيث الدول الأصلية، تصدّر المواطنون الروس القائمة بـ 1 624 حالة تجنّس، أي ما يعادل 14٪ من مجموع الطلبات المقبولة، رغم أن هذا العدد أقلّ بـ 282 حالة عن العام السابق

Author
Arabi.fi
كاتب المقال
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
انخفاض طلبات الحصول على الجنسية الفنلندية عام 2024  قراءة في ملامح الاندماج والتنوع

تشير بيانات هيئة الإحصاء الفنلندية الصادرة في 13 مايو 2025 إلى أن عدد المقيمين الأجانب الذين حصلوا على الجنسية الفنلندية عام 2024 بلغ 11 512 شخصًا، أي أقل بنحو 712 حالة عن العام السابق، بنسبة انخفاضٍ قدرها 6٪ مقارنة بعام 2023. وبذلك يسجَّل أول تراجعٍ ملحوظ منذ ما يقارب عقدًا من النمو المستمر في طلبات التجنّس، في دلالةٍ على تباطؤ نسبي في وتيرة الاندماج الرسمي رغم استمرار التنوع الثقافي والاجتماعي في البلاد (stat.fi). يُظهر الجدول الزمني الذي يمتدّ من عام 1990 إلى 2024 أن عدد الحاصلين على الجنسية الفنلندية ظلّ في ارتفاعٍ متدرج حتى منتصف العقد الماضي، حين بلغت القمّة في أعوام 2021–2023، قبل أن يتراجع قليلًا في العام الأخير إلى 11 512 حالة بعد أن كان 12 224 في 2023. ويشير هذا الانخفاض إلى استقرارٍ في معدّل الاندماج أكثر منه انحسارًا في الرغبة، إذ لا تزال الأرقام الإجمالية أعلى بكثير من مستويات التسعينيات حين كان العدد أقل من ألف سنويًا.

ومن حيث الدول الأصلية، تصدّر المواطنون الروس القائمة بـ 1 624 حالة تجنّس، أي ما يعادل 14٪ من مجموع الطلبات المقبولة، رغم أن هذا العدد أقلّ بـ 282 حالة عن العام السابق. وجاء بعدهم المواطنون العراقيون بـ 1 352 حالة، ثم الأفغان بـ 739، والسوريون بـ 707. ويعكس هذا الترتيب التركيبة السكانية للمهاجرين في فنلندا خلال العقد الأخير، إذ تمثل هذه الجنسيات أربعًا من أكبر مجموعات اللجوء والهجرة المستقرة في البلاد منذ 2015. في المقابل، تراجعت الطلبات من بعض دول الاتحاد الأوروبي والبلقان، مما يشير إلى أن حوافز التجنّس تختلف بين الفئات التي تمتلك حرية التنقل داخل أوروبا وبين من يبحث عن استقرارٍ قانوني دائم. وتُظهر البيانات الديموغرافية أن الحاصلين على الجنسية عام 2024 كانوا بمتوسط عمر 29 عامًا، وهو مؤشرٌ على أن معظم المتقدمين ينتمون إلى الفئات الشابة القادرة على المساهمة في سوق العمل. بلغ عدد النساء 6 198 والرجال 5 314، ما يجعل النساء نسبةً طفيفة أعلى من الرجال. وتظهر الفئة العمرية 30–34 سنة باعتبارها الأكبر بين المتجنسين، إذ شكّلت 14٪ من مجموع الحالات بعددٍ بلغ 1 624 شخصًا. أما القُصَّر دون الثامنة عشرة فبلغ عددهم 3 256، بينما لم يتجاوز عدد من هم فوق 65 عامًا 268 شخصًا، ما يؤكد الطابع الشاب للتجنّس الفنلندي. أما من حيث البنية القانونية للجنسية، فإن فنلندا تتيح ازدواج الجنسية منذ عام 2003، ويبدو أن هذا النظام عزّز الإقبال على طلب التجنّس دون أن يقطع الفرد صلاته ببلده الأصلي. فقد احتفظ 94٪ من المتجنسين عام 2024 بجنسيتهم السابقة، وارتفع بذلك إجمالي عدد حاملي الجنسية المزدوجة المقيمين في فنلندا إلى 184 838 شخصًا بحلول نهاية العام. وتشير التفاصيل إلى أن أكبر مجموعات الازدواجية كانت من الروس (41 037)، ثم السويديين (11 120)، والعراقيين (10 607)، والصوماليين (9 835)، والإستونيين (8 852). وتعكس هذه الأرقام ليس فقط توزّع الهجرات، بل أيضًا قوة الروابط العابرة للحدود في المجتمع الفنلندي الحديث، حيث يعيش كثيرون بانتماءٍ مزدوج دون تعارضٍ بين الهوية والمواطنة (stat.fi).

يُلاحظ كذلك أن نسبة النساء بين المتجنسين تتجاوز قليلاً نسبة الرجال، وهو نمطٌ متكرّر في الإحصاءات الأوروبية للتجنّس، ويُفسَّر غالبًا بأن النساء يبدأن إجراءات التجنّس في وقتٍ أبكر لأسبابٍ أسرية واستقرارٍ طويل الأمد. كما أن نسبة الأطفال المرافقين للوالدين في طلبات الجنسية ما تزال مرتفعة، ما يعزز التوازن الديموغرافي للمقيمين الجدد. ورغم هذا الاستقرار النسبي، فإن التراجع البسيط في العدد الإجمالي يثير تساؤلاتٍ عن أسباب التحول. فبحسب تحليل هيئة الإحصاء الفنلندية، يعود الانخفاض إلى تقلّص عدد الطلبات المقدّمة في العامين الماضيين نتيجة تراكم المعالجة في مصلحة الهجرة الفنلندية (Migri) وإجراءات التحقق الأمني التي أصبحت أكثر دقة بعد عام 2022، إلى جانب التأثير المؤقت للظروف الاقتصادية وتراجع الهجرة الجديدة. كما يشير التقرير إلى أن فترات الانتظار الطويلة في البتّ بالطلبات قد تسبّبت في تأجيل حصول بعض المتقدمين على الجنسية إلى عام 2025، وهو ما يجعل الانخفاض الحالي إحصائيًا أكثر منه بنيويًا. يُعدّ التجنّس في فنلندا خطوةً رمزية وعملية في آنٍ واحد: فهو يمنح صاحبه الحقّ في التصويت، والعمل في الوظائف العامة، والسفر بحرية داخل الاتحاد الأوروبي، لكنه أيضًا يُعبّر عن تحقق الاندماج الاجتماعي من منظورٍ مؤسسي. فالمتجنس الفنلندي لا يكتسب حقوقًا فحسب، بل يدخل في منظومةٍ من الواجبات المدنية والقانونية. ومن هنا تأتي أهمية الإحصاءات السنوية التي تُصدرها هيئة الإحصاء، إذ تساعد في تقييم مدى فاعلية سياسات الاندماج وتعكس ثقة المقيمين الجدد في النظام الفنلندي.

ويشير الخبراء في الهيئة إلى أن هيمنة الجنسيات الروسية والعراقية والأفغانية والسورية على قوائم التجنّس تُظهر أن المسار الفنلندي في منح الجنسية يسير بثباتٍ ضمن القواعد الأوروبية العامة، لكنه يظلّ أكثر انفتاحًا من بعض دول الاتحاد. ففترة الإقامة المطلوبة لا تتجاوز عادة خمس سنوات، ويمكن أن تقلّ إلى أربع في حالاتٍ محددة مثل الزواج من مواطنٍ فنلندي أو الارتباط القوي بالمجتمع المحلي. ومع أن اللغة الفنلندية أو السويدية شرطٌ أساسي للحصول على الجنسية، فإن سياسة التعليم المجاني للبالغين تسهّل هذا المسار عبر برامج اللغة التي تموّلها الدولة. أما على صعيد الازدواجية، فإن ارتفاع عدد حاملي الجنسيتين يطرح نقاشًا مجتمعيًا حول مفهوم الانتماء. فبينما يرى بعض السياسيين أن التعدد في الجنسية يُغني المجتمع ويعكس انفتاحه، يحذر آخرون من صعوبة تحديد الالتزامات في حالات النزاعات السياسية الدولية. ومع ذلك، لم تظهر مؤشرات على تغيير التشريع الفنلندي الذي يُعدّ من أكثر التشريعات مرونةً في أوروبا في هذا المجال، إذ يُنظر إلى الازدواجية بوصفها جسرًا ثقافيًا لا تهديدًا للولاء الوطني. ورغم أن تقرير عام 2024 لا يحمل تغيراتٍ دراماتيكية في السياسة، فإنه يُبرز ثلاث حقائق ديموغرافية أساسية: أن فنلندا ما زالت تستقطب مقيمين جددًا يسعون إلى الانتماء القانوني؛ أن الشباب هم الفئة الأشد نشاطًا في طلبات الجنسية؛ وأن الارتباط المزدوج بالوطن الأصلي وفنلندا أصبح سمةً طبيعية للحياة الحديثة. ففي بلدٍ يقوم على المساواة والثقة بالمؤسسات، لا يُقاس الاندماج بالتصريحات، بل بالأرقام الدقيقة التي تُظهر كيف يتحول الإقامة إلى انتماء. وهكذا يبدو أن انخفاضًا بنسبة 6٪ في عدد المتجنسين لا يُشير إلى تراجعٍ في الرغبة بالانتماء إلى فنلندا، بل إلى توازنٍ جديد في دورة الهجرة والاندماج. وبينما تبقى الجنسية الفنلندية هدفًا يرمز إلى الاستقرار والثقة في المستقبل، فإن التنوّع اللغوي والثقافي الذي تحمله هذه الأرقام يؤكد أن المجتمع الفنلندي يواصل تحوّله من مجتمعٍ أحادي الهوية إلى فضاءٍ مدنيٍ متعدد الأصول، تُعبّر الإحصاءات فيه عن التعدد لا عن الانقسام.