التحقيقات والدراسات
3 دقائق قراءة

الفقر في الشمال الأوروبي درس من التجربة السويدية

مثل منظمات الرعاية المدنية، تشير إلى أن الفقر لم يعد مقتصرًا على العاطلين عن العمل، بل بدأ يطال أسرًا عاملة تعاني من ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد الغذائية. ويقول بعض المسؤولين في هذه المؤسسات إنّ “شبكة الأمان الأخيرة في السويد بدأت تتصدّع”

Omar Al-Harbi
Omar Al-Harbi
كاتب المقال
٢٧ أكتوبر ٢٠٢٥
الفقر في الشمال الأوروبي درس من التجربة السويدية

تشهد السويد في عام 2025 تحولًا مقلقًا في ملامحها الاجتماعية والاقتصادية بعد أن أعلنت هيئة الإحصاء السويدية أن نحو 700 ألف شخص يعيشون في فقرٍ مادي أو اجتماعي، أي ضعف العدد الذي سُجل قبل أربع سنوات فقط. يُعرّف الفقر هناك بأنه العجز عن تأمين ضروريات الحياة اليومية مثل امتلاك سيارة، أو قضاء عطلة أسبوعية واحدة في السنة، أو تناول وجبة تحتوي على البروتين الحيواني كل يومين. ورغم أن نقطة الانطلاق كانت من مستوياتٍ منخفضة، إلا أن سرعة التدهور باتت مثار قلق واسع داخل البلاد وخارجها. يرى الخبراء أن أسباب هذا التراجع متعددة، في مقدمتها ارتفاع الأسعار بعد موجة التضخم الأوروبية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تقليص الدعم الاجتماعي في ظلّ سياسات مالية أكثر تشددًا. المؤسسات الخيرية في السويد، مثل منظمات الرعاية المدنية، تشير إلى أن الفقر لم يعد مقتصرًا على العاطلين عن العمل، بل بدأ يطال أسرًا عاملة تعاني من ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد الغذائية. ويقول بعض المسؤولين في هذه المؤسسات إنّ “شبكة الأمان الأخيرة في السويد بدأت تتصدّع”، فالكثير من المحتاجين لا يحصلون على المساعدات رغم استحقاقهم لها بسبب الإجراءات المعقدة وتراجع قدرة النظام الاجتماعي على الاستجابة السريعة. تواجه الحكومة السويدية انتقاداتٍ بسبب إصلاحٍ اجتماعي يهدف إلى تقليص الاعتماد على الإعانات ودفع المواطنين نحو العمل، ومن المقرر دخوله حيّز التنفيذ عام 2027. ويخشى مراقبون أن يؤدي ذلك إلى زيادة الفقر على المدى القصير، لأن سوق العمل لا يستطيع استيعاب الجميع بسرعة كافية، خاصة في ظلّ ضعف الكفاءات اللغوية والمهنية لدى بعض الفئات.

كما يلفت خبراء الاقتصاد إلى أن الاعتماد المتزايد على المساعدات العامة بين فئاتٍ من المهاجرين ساهم في رفع عدد المستفيدين من أنظمة الدعم إلى مستوياتٍ غير قابلة للاستدامة. إذ إن استقبال أعداد كبيرة من الوافدين في وقتٍ قصير، مع ضعف برامج الاندماج والتعليم، يؤدي إلى توسّع قاعدة المحتاجين للمساعدات مقارنة بقدرة الدولة على التمويل. وتُظهر التقارير أن نسبة كبيرة من المقيمين حديثًا لا تزال خارج سوق العمل بعد سنوات من الإقامة، ما يفاقم الضغوط على الموارد العامة. في المقابل، يطرح خبراء السياسة الاجتماعية رؤية أكثر توازنًا، مؤكدين أن الفقر في السويد ليس نتيجة للهجرة بحد ذاتها، بل لقصورٍ في سياسات الاندماج التي لم ترافق التحولات السكانية المتسارعة. فحين لا يتلقى الوافدون التعليم اللغوي الكافي ولا يجدون فرصًا في سوق العمل، تصبح المساعدات المالية الخيار الوحيد. والحلّ من وجهة نظرهم ليس تقليص الدعم بل ربطه بمسارات تعليمية ومهنية إلزامية تضمن اندماج المستفيدين تدريجيًا في الاقتصاد الوطني. ومن زاوية المقارنة، تشهد فنلندا نقاشًا مشابهًا حول كيفية تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة نظام الرفاه. فالتعديلات التي أدخلتها الحكومة الحالية على سياسات المساعدات الموجهة للأجانب جاءت بعد تقييماتٍ تشير إلى أنّ بعض الإصلاحات السابقة وسّعت دائرة المستحقين لتشمل حتى المقيمين غير النظاميين، ما أثّر على فعالية النظام. وتعمل السلطات الآن على إعادة تنظيم هذه المساعدات ضمن إطارٍ أكثر صرامة يربطها بالإقامة القانونية والتزامات الاندماج. تعكس التجربة السويدية تحذيرًا واضحًا للدول الإسكندنافية: عندما يتقلص هامش الموارد ويزداد الطلب على الدعم الاجتماعي، يصبح الحفاظ على المساواة تحديًا معقدًا. فالمعادلة بين الرحمة والمسؤولية الاقتصادية تحتاج إلى إعادة صياغة مستمرة. ومهما بلغت قوة الاقتصاد أو عمق الديمقراطية، فإن الاستقرار الاجتماعي يظل رهينًا بقدرة المجتمع على دمج كل أفراده في منظومة الإنتاج لا في منظومة الإعالة.