التحقيقات والدراسات
6 دقائق قراءة

الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية ربع الفنلنديين استخدموا خدمات الذكاء التوليدي عام 2024

تشير الأرقام إلى أن الشباب الفنلندي هم الفئة الأكثر تفاعلاً مع الذكاء الاصطناعي فقد استخدم 45٪ من الفئة العمرية 16–24 عامًا هذه الخدمات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024

Sara Al-Tamimi
Sara Al-Tamimi
كاتب المقال
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية ربع الفنلنديين استخدموا خدمات الذكاء التوليدي عام 2024

شهدت فنلندا خلال عام 2024 تحوّلًا رقميًا واسع النطاق جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءًا من الحياة اليومية لا يقتصر على المبرمجين أو الباحثين، بل يمتد إلى الطلاب والعاملين ومستخدمي الإنترنت العاديين. فقد أظهرت أحدث بيانات هيئة الإحصاء الفنلندية أن 23٪ من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و89 عامًا استخدموا خدماتٍ تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال العام، وهو ما يعادل تقريبًا ربع المجتمع الفنلندي البالغ. وتشير هذه البيانات، الواردة في تقرير "استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لدى السكان" الصادر في ديسمبر 2024، إلى أن فنلندا تخطو بثقة نحو مرحلةٍ جديدة من الرقمنة الإنسانية التي تمتزج فيها التقنية بالثقافة اليومية (stat.fi).

يبرز في هذه الإحصاءات جيل الشباب بوصفه المحرك الأساسي لهذه الثورة التقنية؛ إذ استخدم 45٪ من الفئة العمرية بين 16 و24 عامًا أدوات الذكاء الاصطناعي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024، وبلغت النسبة 38٪ لدى الفئة بين 25 و34 عامًا، بينما تراجع الاستخدام تدريجيًا مع التقدم في العمر. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فجوةٍ رقمية بين الأجيال، بل عن اختلافٍ في طريقة النظر إلى التكنولوجيا ذاتها، فالشباب الفنلندي، الذي نشأ في بيئةٍ تعليمية رقمية، يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان امتدادًا طبيعيًا لعمليات البحث والتفكير، بينما يرى الجيل الأكبر فيه أداةً تحتاج إلى الحذر والفهم المسبق. وتؤكد هيئة الإحصاء أن هذا النمط من التفاوت العمري في استخدام التقنيات الجديدة يتكرر عادةً مع كل موجةٍ من موجات التحول الرقمي، إلا أن سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي هذه المرة فاقت توقعات الخبراء (stat.fi). أما من حيث الفروق بين الجنسين، فقد تبيّن أن الرجال يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من النساء، بنسبة 28٪ مقابل 19٪. ويبدو الفارق ضئيلًا في الفئة العمرية الأصغر، حيث يستخدم 47٪ من الشبان و43٪ من الشابات الذكاء الاصطناعي، لكنه يتسع في منتصف العمر، إذ بلغت النسبة 42٪ لدى الرجال و25٪ لدى النساء بين 35 و44 عامًا. ويرى محللو هيئة الإحصاء أن هذا التفاوت يرتبط بتوزيع المهن في المجتمع الفنلندي، فالفئات العمرية الوسطى تضم نسبةً أكبر من الرجال العاملين في مجالات التقنية والهندسة والبرمجة، وهي قطاعاتٌ تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي بصورةٍ أكبر من غيرها. ومع ذلك، يُلاحظ أن الفجوة تتقلص تدريجيًا في الأجيال الجديدة مع ازدياد حضور النساء في الدراسات التقنية والمجالات العلمية.

وعند تحليل مجالات الاستخدام، تُظهر الأرقام أن الذكاء الاصطناعي في فنلندا يُستخدم أساسًا كأداةٍ معرفية ولغوية، لا كمجرد تقنيةٍ معقدة. فقد استخدم 15٪ من السكان الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات، و14٪ في كتابة النصوص أو تحسينها لغويًا، بينما لم تتجاوز نسب الاستخدام في إنشاء الصور أو الفيديوهات 5٪، والبرمجة 4٪، والاستخدامات الأخرى 5٪. هذه المؤشرات تعني أن غالبية الفنلنديين لا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة إنتاجٍ فني أو هندسي بقدر ما هو امتدادٌ لأدوات الكتابة والتفكير التي أصبحت جزءًا من الحياة الأكاديمية والعملية. وتُظهر البيانات أيضًا أن 32٪ من الشباب بين 16 و24 عامًا استخدموا الذكاء الاصطناعي للبحث، و28٪ لإنشاء النصوص، فيما لم تتجاوز نسبة من استخدموه في البرمجة أو التصميم 5٪، وهي نسبٌ قريبة من الاستخدامات التعليمية أكثر من التقنية (stat.fi). ويتضح من التقرير أن التعليم هو المجال الأبرز لاستخدام الذكاء الاصطناعي بين الشباب الفنلندي، إذ أشار 31٪ من الفئة العمرية بين 16 و24 عامًا إلى أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في إطار دراستهم الأكاديمية، بينما استخدم 7٪ فقط هذه الأدوات في سياقٍ مهني. ويُذكر أن 71٪ من هذه الفئة هم طلابٌ في مؤسساتٍ تعليمية، ما يجعل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتعليم علاقةً بنيوية أكثر من كونها عرضًا تقنيًا. في المقابل، ارتفعت نسبة الاستخدام المهني لدى الفئة العاملة (25–54 عامًا) لتصل إلى نحو 20٪، أي أن واحدًا من كل خمسة بالغين يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مباشر في عمله، سواء في كتابة التقارير أو تحليل البيانات أو تحسين المحتوى المؤسسي. أما الاستخدامات الشخصية غير المرتبطة بالعمل أو الدراسة فبلغت 12٪ من السكان، وهو رقمٌ يُظهر أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحياة الخاصة في مجالاتٍ مثل التخطيط للسفر، وصياغة الرسائل، والتعلّم الذاتي (stat.fi). ويُلاحظ أن طبيعة الاستخدام تختلف باختلاف الجنس والعمر؛ فبينما يهيمن الرجال على الاستخدامات التقنية كإنتاج الصور والفيديوهات والبرمجة، تميل النساء إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحرير والتحليل اللغوي. في الفئة 25–34 عامًا مثلًا، استخدم 14٪ من الرجال الذكاء الاصطناعي لإنتاج وسائط بصرية، مقابل 4٪ فقط من النساء في العمر نفسه. ومع ذلك، تشير الاتجاهات إلى أن هذا الفارق يتقلص بسرعة في الفئة الأصغر سنًا، حيث أصبح الوعي الرقمي مهارةً عامة لا تقتصر على التخصصات التقنية. تكشف هذه الأرقام عن صورةٍ لمجتمعٍ يعيش توازنًا دقيقًا بين الحذر والابتكار؛ ففنلندا، التي طالما احتلت المراتب الأولى في مؤشرات الكفاءة الرقمية والتعليم، لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ظاهرة عابرة أو خطرًا محتملًا، بل كأداةٍ تحتاج إلى توجيهٍ واعٍ. ويشير الخبراء في هيئة الإحصاء الفنلندية، ومنهم راوُلي كوهفاكا وبيرتو ميلكاس وريتا هانيفي وهانّيلي أورْيالا، إلى أن الغاية من الرصد ليست فقط معرفة مدى انتشار التكنولوجيا، بل فهم تأثيرها في السلوك البشري والتعليم والعمل. إن التحول الرقمي في فنلندا يتمّ وفق فلسفةٍ اجتماعية ترى في الإنسان مركز العملية التقنية، حيث يجب أن تخدم الآلة حاجاته لا أن تستبدل دوره. 

ورغم هذا التفاؤل التقني، يُثير التقرير أسئلةً مهمة عن مستقبل المهارات الرقمية في المجتمع الفنلندي، خصوصًا مع توسع استخدام النماذج اللغوية في المدارس والجامعات. فهل يهدد الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي مهارات الكتابة والتحليل المستقل؟ أم أنه يمنح المتعلمين فرصةً لتطوير مهاراتٍ نقدية أعمق؟ لا تُقدّم هيئة الإحصاء إجاباتٍ جاهزة، لكنها تدعو إلى تعزيز «الذكاء الرقمي النقدي» (Digitaalinen lukutaito) بوصفه مهارة القرن الحادي والعشرين، التي تُمكّن الأفراد من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع وفهم حدود التقنية وإمكاناتها (stat.fi). ومن الملفت أن التقرير يتناول الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، حيث بدأت الجامعات الفنلندية بإدماج أدواته ضمن استراتيجيات التعليم المفتوح والموجه ذاتيًا. فبدلًا من حظر استخدامه، توجّه المؤسسات الأكاديمية الطلاب إلى كيفية التعامل النقدي معه، ما يعكس فلسفة التعليم الفنلندي القائمة على الثقة والمسؤولية. وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي في فنلندا وسيلةً للتعلّم الذاتي أكثر من كونه تهديدًا أكاديميًا، وهو تطورٌ يعكس العلاقة الناضجة بين المجتمع الفنلندي والتقنية.  يُظهر "تقرير استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لدى السكان لعام 2024" أن فنلندا وصلت إلى نقطة تمازجٍ بين التقنية والثقافة، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي محصورًا في المختبرات أو الشركات، بل أصبح جزءًا من الممارسات اليومية في المدرسة والعمل والمنزل. هذا التحول لا يُقاس فقط بنسب الاستخدام، بل بعمق العلاقة بين الإنسان والأداة، وبين الإبداع والمعرفة. فنلندا التي قادت التعليم العالمي لعقود، تواصل اليوم قيادتها في مجال التحول الرقمي الواعي، وتُثبت أن التقدم التقني يمكن أن يتعايش مع القيم الإنسانية إذا كان الإنسان هو المركز الذي تدور حوله التكنولوجيا.