الضرائب في فنلندا
6 دقائق قراءة

الحكومة تخفّف الضرائب... لكن لمن؟ تحليل توزيع الفوائد حسب الدخل

هذا التفاوت يثير نقاشًا واسعًا. من جهة، ترى الحكومة أن الهدف هو تحفيز جميع الفئات على العمل وزيادة مشاركتها في سوق العمل، وبالتالي ينبغي أن يمتد التخفيف إلى الجميع. ومن جهة أخرى، يعتبر خبراء اقتصاديون أن النظام الجديد يوسّع الفجوة بين الفئات، إذ تمنح الإصلاحات أكبر استفادة للأكثر ثراءً. في المقابل، تبقى للأسر ذات الدخل المنخفض ميزة الزيادة الخاصة بالأطفال، وإن كانت محدودة الأثر مقارنة بارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات والطاقة.

Sara Al-Tamimi
Sara Al-Tamimi
كاتب المقال
١١ سبتمبر ٢٠٢٥
الحكومة تخفّف الضرائب... لكن لمن؟ تحليل توزيع الفوائد حسب الدخل

شهد النظام الضريبي الفنلندي تغييرات مهمة ابتداءً من عام 2025، تهدف إلى تخفيف العبء الضريبي على الأسر وتحفيز المشاركة في سوق العمل. من أبرز هذه التغييرات إلغاء خصم الدخل المكتسب واستبداله بزيادة في بدل العمل (Työtulovähennys)، مع إضافة 50 يورو عن كل طفل قاصر، و100 يورو عن كل طفل في حالة الوالد أو الوالدة الوحيدين. كما تم رفع الحد الأدنى لضريبة البث (Yle-vero) ليُفرض فقط على من يكسبون أكثر من 15,150 يورو سنويًا، بدلاً من 14,000 يورو. هذه التغييرات أثارت نقاشًا واسعًا في فنلندا: من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه السياسات، وهل هي عادلة لجميع فئات المجتمع؟ توضح بيانات مصلحة الضرائب الفنلندية (vero.fi، 2025) أن الهدف من هذه التعديلات هو تبسيط النظام الضريبي وتقديم دعم مباشر للأسر، مع مراعاة العدالة بين الفئات. ووفقًا لجمعية دافعي الضرائب الفنلندية (Veronmaksajat ry، 2025)، فإن الأسر ذات الدخل المتوسط ستشهد انخفاضًا في معدل ضريبة الدخل يقارب 1.5%، وهو ما يترجم إلى بضع مئات من اليوروهات سنويًا. بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض، فإن الفائدة الأساسية ستأتي من زيادة بدل العمل المرتبط بعدد الأطفال، بينما لن يكون الأثر العام كبيرًا لأن جزءًا من هذه الأسر يدفع ضرائب منخفضة أصلًا أو يحصل على إعفاءات. أما أصحاب الدخل المرتفع، فإنهم سيلاحظون أكبر استفادة مالية: من يكسب حوالي 100,000 يورو سنويًا سيوفر نحو 600 يورو، بينما قد تصل استفادة من يتقاضون 250,000 يورو إلى أكثر من 9,000 يورو.

لكن هذه الأرقام تطرح إشكالية واضحة. ففي حين أن الدعم للأطفال يمثل محاولة لتخفيف الأعباء على الأسر، فإن الجزء الأكبر من التخفيضات يذهب إلى أصحاب الدخول المرتفعة. وهذا يعكس معضلة السياسات المالية: هل الهدف هو تحفيز الاقتصاد عبر تقوية القوة الشرائية للأغنياء، أم دعم الفئات الأكثر هشاشة التي تعاني من ضغوط معيشية متزايدة؟ التحديات التي تواجه الأسر الناطقة بالعربية في فنلندا ضمن هذا الإطار متشعبة. أولًا، فهم تفاصيل التغييرات الضريبية ليس بالأمر السهل، خصوصًا مع حاجز اللغة. فالكثير من الأسر تعتمد على المترجمين أو الجمعيات للحصول على المعلومة، وقد لا تتمكن من استغلال جميع الفرص المتاحة للاستفادة من الإعفاءات أو الخصومات. ثانيًا، الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة يقلل من أثر أي تخفيض ضريبي. على سبيل المثال، أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الفنلندية (Tilastokeskus، 2024) أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 7% خلال عام واحد، كما ارتفعت أسعار الكهرباء والإيجارات بمعدلات ملحوظة. هذا يعني أن مبلغ 50 يورو إضافي لكل طفل قد لا يغطي حتى جزءًا صغيرًا من الزيادات في النفقات الأساسية.

إلى جانب ذلك، يعاني بعض الناطقين بالعربية من صعوبة في الحصول على وظائف مستقرة بدوام كامل، ما يجعل دخلهم غير كافٍ أصلًا للاستفادة من التخفيضات الضريبية. فعلى سبيل المثال، الأسر التي يعمل أفرادها بعقود مؤقتة أو بدوام جزئي قد لا تشعر بفرق كبير نتيجة لهذه التعديلات، في حين أن الأسر ذات الدخل المرتفع ستلاحظ تحسنًا واضحًا في ميزانياتها السنوية. هذا التفاوت يثير تساؤلات حول مدى عدالة النظام الضريبي الجديد. التجارب الإنسانية تعكس هذه الفوارق بوضوح. فمثلاً، خالد، أب لأربعة أطفال ويعمل في مطعم بمدينة توركو، يقول إن المبلغ الإضافي الذي يحصل عليه عبر بدل العمل سيغطي بالكاد جزءًا من تكاليف الملابس المدرسية. “هو مبلغ صغير، لكنه على الأقل إشارة أن الحكومة لم تنسَ الأسر التي لديها أطفال”، يقول خالد. في المقابل، نادر، مهندس برمجيات في هلسنكي بدخل سنوي يقارب 110,000 يورو، يشير إلى أن التغييرات منحت أسرته نحو 600 يورو إضافية سنويًا، وهو مبلغ يستخدمه لتغطية جزء من قسط السكن. “بصراحة، نحن لسنا بحاجة ملحة لهذه الأموال مثل غيرنا، لكن لا أنكر أنها ساعدت في موازنة النفقات”، يضيف نادر.

إيجابيات التغييرات تكمن في أنها تمنح دعمًا مباشرًا للأسر وتزيد من شفافية النظام الضريبي. بدل العمل بنسخته الجديدة أوضح من خصم الدخل المكتسب، مما يسهل على الأفراد فهمه. كما أن التركيز على الأسر التي لديها أطفال يعكس توجهًا لدعم الفئات الأكثر احتياجًا. علاوة على ذلك، فإن تقليص ضريبة البث Yle يفيد الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط بشكل أكبر، إذ يُعفي شريحة واسعة من دفع هذه الضريبة بالكامل. من ناحية أخرى، لا تخلو هذه التغييرات من سلبيات. أبرزها أن أصحاب الدخل المرتفع يظلون المستفيد الأكبر من مجمل الإصلاحات. وهذا يثير جدلًا سياسيًا في فنلندا حول عدالة النظام الضريبي. بعض الاقتصاديين يرون أن الإصلاحات تزيد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، فيما يؤكد آخرون أن الهدف هو تحفيز الاقتصاد الكلي عبر تقوية القوة الشرائية للأغنياء، ما قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الاستهلاك والاستثمار. الحكومة من جهتها تؤكد أن هذه التغييرات ليست سوى بداية لخطة تمتد حتى عام 2029، تهدف إلى تعديل النظام الضريبي تدريجيًا لتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي ودعم الأسر. وبحسب ما نشر على موقع الحكومة (valtioneuvosto.fi، 2025)، فإن حوالي 600 ألف أسرة ستستفيد من هذه التعديلات بدرجات متفاوتة. وتقر الحكومة بأن الاستفادة ليست متساوية، لكنها تعتبر أن الإصلاحات خطوة ضرورية في مسار طويل الأمد.

بالنسبة للأسر الناطقة بالعربية في فنلندا، تكمن أهمية هذه التغييرات في ضرورة الوعي بكيفية الاستفادة منها. فالمبالغ وإن بدت محدودة، إلا أنها قد تساهم في تخفيف بعض الأعباء إذا استُخدمت بذكاء ضمن ميزانية الأسرة. كما أن متابعة المستجدات الضريبية والتأكد من الاستفادة من جميع الإعفاءات والخصومات حق مشروع ينبغي أن يُفعَّل بشكل أفضل من خلال التواصل مع مصلحة الضرائب أو عبر الجمعيات المحلية.  أن التخفيف الضريبي لعام 2025 يعكس محاولة حكومية لتحقيق توازن صعب: دعم الأسر من جهة وتحفيز النمو الاقتصادي من جهة أخرى. لكن واقع الأرقام يبيّن أن الفئات الأكثر استفادة هي ذات الدخل المرتفع، بينما يظل الدعم للأسر محدودة الدخل أقرب إلى رمز تضامني منه إلى حلّ جذري لمشكلاتها. الطريق نحو نظام ضريبي أكثر عدالة لا يزال طويلًا، لكن المتغيرات الحالية تُظهر بداية مسار إصلاحي يمكن أن يتطور في السنوات القادمة إذا ترافق مع سياسات مكمّلة، مثل دعم السكن وتخفيض الضرائب على السلع الأساسية.

 

المصادر

Vero.fi - تغييرات الضرائب في عام ٢٠٢٥

رابطة دافعي الضرائب - الضرائب في عام ٢٠٢٥

Yle - تغييرات الضرائب وآثارها على فئات الدخل المختلفة