اخبار
3 دقائق قراءة

الحاجة لعمال في قطاع الصحة والرعاية في فنلندا

تسعى الحكومة الفنلندية إلى تسهيل مسارات العمل للوافدين الجدد عبر برامج تدريب وتأهيل مهنية، بالإضافة إلى تسريع إجراءات معادلة الشهادات الطبية التي يحملها مهاجرون من بلدان خارج الاتحاد الأوروبي. وتولي وزارة الصحة اهتمامًا خاصًا بتوفير دورات لغة فنلندية متخصصة للعاملين في القطاع الصحي، حتى يتمكنوا من التواصل بفعالية مع المرضى وزملائهم في بيئة العمل. هذا الجانب يُعتبر بالغ الأهمية، إذ إن جودة الرعاية الصحية لا تقاس فقط بالخبرة الطبية، بل أيضًا بالقدرة على التواصل الإنساني الفعّال.

Sultan Murshedi
Sultan Murshedi
كاتب المقال
٢٤ أغسطس ٢٠٢٥
الحاجة لعمال في قطاع الصحة والرعاية في فنلندا

تعيش فنلندا منذ سنوات حالة متزايدة من القلق إزاء النقص الكبير في الأيدي العاملة في قطاع الصحة والرعاية، وهو قطاع يُعتبر حيويًا في ظل شيخوخة السكان وازدياد الحاجة إلى الخدمات الطبية والاجتماعية. ومع حلول عام 2025، تؤكد تقارير رسمية صادرة عن وزارة الشؤون الاقتصادية والتوظيف أن النقص في الكوادر المؤهلة قد بلغ مستوى غير مسبوق، مما دفع الحكومة إلى التفكير بجدية في فتح المجال بشكل أوسع أمام المهاجرين والناطقين باللغة العربية وغيرهم من المجتمعات متعددة الثقافات للعمل في هذا المجال (tem.fi). تشير الإحصاءات إلى أن فنلندا تحتاج في السنوات القادمة إلى عشرات الآلاف من الممرضين والعاملين في مجال الرعاية المنزلية ورعاية كبار السن. هذه الحاجة ليست ظرفية أو مؤقتة، بل هي نتيجة مباشرة للتركيبة الديموغرافية التي يشهدها البلد، حيث يُتوقع أن تتضاعف نسبة من هم فوق 65 عامًا خلال العقد القادم. وفي هذا السياق، يصبح الاعتماد على المهاجرين ضرورة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

تسعى الحكومة الفنلندية إلى تسهيل مسارات العمل للوافدين الجدد عبر برامج تدريب وتأهيل مهنية، بالإضافة إلى تسريع إجراءات معادلة الشهادات الطبية التي يحملها مهاجرون من بلدان خارج الاتحاد الأوروبي. وتولي وزارة الصحة اهتمامًا خاصًا بتوفير دورات لغة فنلندية متخصصة للعاملين في القطاع الصحي، حتى يتمكنوا من التواصل بفعالية مع المرضى وزملائهم في بيئة العمل. هذا الجانب يُعتبر بالغ الأهمية، إذ إن جودة الرعاية الصحية لا تقاس فقط بالخبرة الطبية، بل أيضًا بالقدرة على التواصل الإنساني الفعّال. من الناحية الاجتماعية، ينظر كثيرون إلى إشراك الناطقين باللغة العربية في هذا القطاع باعتباره فرصة لتعزيز التنوع الثقافي واللغوي في النظام الصحي الفنلندي. فوجود كوادر تتحدث لغات متعددة، من بينها العربية، يسهل تقديم الخدمات الصحية لشريحة واسعة من السكان المهاجرين الذين قد يجدون صعوبة في التعبير عن مشكلاتهم الصحية باللغة الفنلندية. هذا الأمر لا يخفف فقط من التوتر لدى المرضى، بل يرفع أيضًا من مستوى الثقة بين المجتمع المهاجر والنظام الصحي. مع ذلك، تبرز تحديات حقيقية. فالبعض يحذر من أن التوسع في الاعتماد على المهاجرين دون توفير بيئة عمل عادلة قد يؤدي إلى استغلال هذه الفئة، سواء عبر الرواتب المنخفضة أو ظروف العمل الصعبة. وقد أشار اتحاد العمال PAM واتحاد النقابات SAK إلى ضرورة فرض رقابة صارمة وضمان مساواة حقيقية بين جميع العاملين بغض النظر عن خلفياتهم (pam.fi).

كما أن قضية اللغة تبقى حاضرة بقوة. فحتى مع وجود برامج تدريبية، قد يستغرق الأمر سنوات حتى يتمكن العامل من إتقان اللغة الفنلندية بالمستوى الذي يسمح له بالعمل بكفاءة عالية في بيئة طبية حساسة. هذا التحدي قد يعيق سرعة سدّ الفجوة في اليد العاملة إذا لم يتم الاستثمار بشكل كافٍ في برامج اللغة المتخصصة. من زاوية أخرى، لا يخفى أن إشراك الناطقين باللغة العربية في قطاع الصحة والرعاية يعزز من فرص اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي. فالعمل في مجال إنساني كهذا يمنح الأفراد شعورًا بالمساهمة المباشرة في المجتمع الفنلندي، ويتيح لهم بناء شبكات اجتماعية أوسع. كما أن هذه الوظائف غالبًا ما تكون مستقرة نسبيًا، وهو ما يفتح آفاقًا لمستقبل أكثر استقرارًا للعاملين وعائلاتهم. تؤكد الحكومة الفنلندية أن استقطاب المزيد من العاملين لهذا القطاع ليس خيارًا بل ضرورة وطنية. فهي ترى أن نجاح النظام الصحي في مواجهة التحديات القادمة يعتمد على مدى قدرة المجتمع الفنلندي على استيعاب وتقدير التنوع البشري والمهني. وفي النهاية، يظل السؤال المطروح: هل ستتمكن فنلندا من خلق بيئة عمل عادلة ومستدامة تضمن حقوق جميع العاملين، بمن فيهم الناطقون باللغة العربية، أم ستظل هذه الفئة عرضة لتحديات مضاعفة؟