المجتمع
6 دقائق قراءة

الجدل حول قانون الأمن الوطني الجديد في فنلندا حماية البلاد أم تقييد الحريات؟

الحكومة الفنلندية دافعت عن القانون بشدة، مؤكدة أن “التهديدات التي تواجه فنلندا اليوم لم تعد تقليدية”، كما قال وزير الداخلية في مؤتمر صحفي عقب إقرار التشريع. وأضاف أن “الفضاء الرقمي أصبح ساحة حرب حقيقية، وإذا لم تكن الدولة قادرة على التحرك بسرعة، فإنها تُعرّض نفسها ومواطنيها للخطر”

Sara Al-Tamimi
Sara Al-Tamimi
كاتب المقال
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
الجدل حول قانون الأمن الوطني الجديد في فنلندا حماية البلاد أم تقييد الحريات؟

في عام 2025، دخلت فنلندا مرحلة جديدة في تاريخها الأمني والسياسي بعد أن أقرّ البرلمان الفنلندي قانونًا مثيرًا للجدل يُعرف باسم «قانون الأمن الوطني الجديد». هذا التشريع الذي دفع به ائتلاف الحكومة اليمينية بقيادة رئيس الوزراء بيتّري أوربو (Petteri Orpo) جاء في وقت تتصاعد فيه التوترات الأمنية في أوروبا، وتزداد فيه المخاوف من الهجمات السيبرانية، والتجسس الأجنبي، والتدخلات السياسية العابرة للحدود. لكن القانون، الذي يهدف رسميًا إلى “تعزيز قدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية”، أثار عاصفة من الانتقادات من جانب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي حذرت من أنه يفتح الباب أمام توسّع غير مسبوق في صلاحيات أجهزة الأمن والاستخبارات. ينص القانون الجديد على منح السلطات الفنلندية صلاحيات موسّعة لمراقبة الاتصالات الرقمية والأنشطة الإلكترونية داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك إمكانية اعتراض البيانات من خوادم الإنترنت الفنلندية في حال “وجود تهديد مباشر للأمن القومي”. كما يسمح للشرطة وجهاز الأمن الفنلندي (Suojelupoliisi – SUPO) بإجراء عمليات رصد استباقية للأشخاص أو المجموعات التي يُشتبه في ارتباطها بجهات أجنبية أو تنظيمات متطرفة. إضافة إلى ذلك، يتيح القانون للسلطات طلب بيانات المستخدمين من شركات الاتصالات والتكنولوجيا دون الحاجة إلى إذن قضائي مسبق في حالات محددة.

الحكومة الفنلندية دافعت عن القانون بشدة، مؤكدة أن “التهديدات التي تواجه فنلندا اليوم لم تعد تقليدية”، كما قال وزير الداخلية في مؤتمر صحفي عقب إقرار التشريع. وأضاف أن “الفضاء الرقمي أصبح ساحة حرب حقيقية، وإذا لم تكن الدولة قادرة على التحرك بسرعة، فإنها تُعرّض نفسها ومواطنيها للخطر”. وقد استندت الحكومة في موقفها إلى تقارير استخباراتية تشير إلى ارتفاع محاولات التجسس الإلكتروني على مؤسسات الدولة بنسبة 40% خلال عام 2024، بالإضافة إلى تزايد نشاط الحملات التضليلية التي تستهدف الرأي العام الفنلندي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إلا أن المعارضة لم ترَ الأمور بهذه البساطة. فقد حذّر الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر من أن القانون “يهدد التوازن الدقيق بين الأمن والحرية” الذي تميّزت به الديمقراطية الفنلندية منذ نهاية الحرب الباردة. وقالت النائبة عن حزب الخضر، إيفا بيّايا (Eva Biaudet)، إن “فنلندا يجب ألا تنزلق إلى منطق الدولة المراقِبة بحجة مكافحة التهديدات. فكل نظام يبدأ بمراقبة الاستثناءات وينتهي بمراقبة الجميع”. كما اعتبر حزب اليسار أن تمرير القانون بسرعة، دون نقاش كافٍ في اللجان البرلمانية، يمثل “تجاوزًا للشفافية البرلمانية ومبدأ المشاركة الشعبية”. في المقابل، حظي القانون بدعم واسع من الحزب الوطني الائتلافي (Kokoomus) وحزب الفنلنديين (Perussuomalaiset)، اللذين أكدا أن “الأمن القومي لا يمكن أن يبقى رهينة قوانين وُضعت في زمن لم يعرف الإنترنت”. وقال أحد نواب الحزب القومي: “لدينا اليوم جيوش رقمية تحاول اختراق مؤسساتنا، وعلينا أن نمتلك الوسائل الكفيلة بالرد قبل أن يقع الضرر”.

الجدل لم يقتصر على الأحزاب، بل امتد إلى الشارع والإعلام. فوفقًا لاستطلاع أجرته هيئة الإذاعة الفنلندية (Yle) في مارس 2025، أيد 54% من الفنلنديين القانون الجديد “لضمان حماية البلاد”، بينما عارضه 38% خشية انتهاك الخصوصية. المفارقة أن التأييد جاء أكبر بين الفئات العمرية فوق الخمسين، بينما أبدى الشباب بين 18 و30 عامًا رفضًا واسعًا، معتبرين أن القانون “يحدّ من الحريات الرقمية ويعطي للدولة سلطة مفرطة على حياة الأفراد”. المنظمات الحقوقية الفنلندية، وعلى رأسها مؤسسة الحقوق المدنية (Oikeusperustaisuusliitto)، عبّرت عن قلقها من أن “صياغة القانون فضفاضة تسمح بتأويلات واسعة”، خاصة ما يتعلق بتعريف مصطلح “التهديد المحتمل للأمن القومي”. وقالت في بيان رسمي: “يمكن لأي حكومة مستقبلية أن تستخدم هذه الصياغة لتبرير مراقبة المعارضين أو الصحفيين الاستقصائيين تحت ذريعة الأمن”. كما طالبت منظمة العفو الدولية – فرع فنلندا – الحكومة بإعادة النظر في بنود القانون المتعلقة بجمع البيانات، وضمان رقابة قضائية مستقلة على كل عملية تجسّس أو مراقبة رقمية.

أما على المستوى الأكاديمي، فقد قدّم عدد من الباحثين في جامعة هلسنكي وجامعة تامبيري تحليلات معمقة للقانون الجديد، مؤكدين أن فنلندا تمر بمرحلة “إعادة تعريف لمفهوم الأمن”. في دراسة صادرة عن مركز الأبحاث الأمنية الفنلندي (FIIA)، اعتبر الباحث ميكو هوتاري (Mikko Huotari) أن “القانون يعكس عقلية ما بعد الحياد” التي تبنّتها فنلندا منذ انضمامها إلى الناتو، إذ باتت ترى نفسها جزءًا من منظومة دفاع غربية تتعامل مع التهديدات بطريقة استباقية لا دفاعية. وأضاف أن هذا التحول قد يؤدي إلى “تآكل بطيء للخصوصية الفردية إذا لم ترافقه ضمانات مؤسسية قوية”. اللافت أن النقاش حول القانون لم يكن فقط قانونيًا أو أمنيًا، بل فلسفيًا وأخلاقيًا أيضًا. فقد تساءل بعض الكتّاب في الصحف الكبرى مثل Helsingin Sanomat وIlta-Sanomat عن معنى الحرية في عصرٍ أصبحت فيه التكنولوجيا تراقب كل حركة. كتب الصحفي المخضرم كاري سالمي مقالًا قال فيه: “إن مجتمعًا مستقرًا مثل فنلندا لا يجب أن يخاف من الحرية. فالحماية الحقيقية لا تأتي من المراقبة، بل من الثقة بين المواطن والدولة.” لكن مؤيدي القانون يردّون بأن “الثقة لا تعني السذاجة”، وأن العالم تغير جذريًا منذ بداية الحرب في أوكرانيا. فالتقارير الأمنية تشير إلى زيادة ملحوظة في أنشطة الاستخبارات الروسية والصينية والإيرانية داخل أوروبا الشمالية، ما جعل فنلندا – التي تمتلك حدودًا برية طويلة مع روسيا – تشعر بضغط أمني متزايد. لذلك يعتبر أنصار القانون أن هذا التشريع ليس خيارًا سياسيًا بل ضرورة وطنية لحماية الديمقراطية الفنلندية نفسها من الاختراق والتأثير الخارجي.

تاريخيًا، عُرفت فنلندا بنظامها القانوني المتوازن واحترامها الكبير للحريات الفردية، ولذلك يُنظر إلى هذا القانون كـ”تحوّل في العقلية السياسية الفنلندية”. يرى البعض أنه امتداد طبيعي لانضمام البلاد إلى الناتو، فيما يخشى آخرون أن يكون بداية لعصرٍ جديد تُقدَّم فيه الأمنيات الأمنية على القيم الديمقراطية. وبين هذين الموقفين، تحاول الحكومة طمأنة الرأي العام بأن كل الإجراءات ستخضع لرقابة برلمانية دقيقة، وأن الهدف ليس بناء دولة مراقِبة بل “دولة يقظة”. من جهة أخرى، تسعى المعارضة إلى استغلال الجدل سياسيًا مع اقتراب الانتخابات البلدية في خريف 2025، حيث رفعت شعار “الأمن لا يجب أن يأتي على حساب الحرية”. هذا الشعار وجد صدى واسعًا بين الشباب والناشطين الرقميين الذين يطالبون بإنشاء هيئة مستقلة لمراقبة أنشطة الاستخبارات. بينما ترد الحكومة بأن إنشاء مثل هذه الهيئة قد يعقّد عمل الأجهزة الأمنية في ظل التهديدات المتصاعدة  يمكن القول إن قانون الأمن الوطني الجديد يمثل نقطة مفصلية في تاريخ الديمقراطية الفنلندية الحديثة. فهو اختبار لقدرة البلاد على التوفيق بين قيمها الليبرالية التقليدية ومتطلبات الواقع الأمني العالمي. وبينما يرى البعض فيه خطوة ضرورية لحماية الوطن، يراه آخرون بداية انزلاق بطيء نحو مراقبة الدولة الحديثة. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن فنلندا، كغيرها من الديمقراطيات الغربية، تخوض معركتها الأصعب: معركة تحديد حدود الحرية في زمنٍ لم يعد فيه الخطر على الأبواب بل داخل الشاشات.

 

المصادر 

  • وزارة الداخلية الفنلندية – Sisäministeriö: Kansallinen turvallisuuslaki 2025
    🔗 https://intermin.fi

  • هيئة الإذاعة الفنلندية (Yle Uutiset) – تقرير حول الجدل البرلماني بشأن قانون الأمن، مارس 2025
    🔗 https://yle.fi/uutiset

  • Helsingin Sanomat – افتتاحية: Vapaus ja turvallisuus eivät ole vastakohtia, أبريل 2025
    🔗 https://www.hs.fi

  • مركز الأبحاث FIIA – تحليل: Suomen kansallinen turvallisuus uudessa aikakaudessa, فبراير 2025
    🔗 https://www.fiia.fi