المجتمع
5 دقائق قراءة

الثقة كمفهوم وطني رأس المال الاجتماعي الذي صنع فنلندا

وفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لعام 2023، فإن أكثر من 82٪ من الفنلنديين يثقون بمؤسسات دولتهم العامة وهي النسبة الأعلى بين دول المنظمة

Leïla Bn Ali
Leïla Bn Ali
كاتب المقال
١٨ أكتوبر ٢٠٢٥
الثقة كمفهوم وطني رأس المال الاجتماعي الذي صنع فنلندا

قد تبدو الثقة قيمةً بسيطة يصعب قياسها، لكنها في فنلندا ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل أساسٌ لكل ما تقوم عليه الدولة الحديثة. فالثقة هنا ليست شعارًا سياسيًا ولا مفهومًا تجريديًا، بل نظام حياةٍ متكامل يربط بين المواطن والدولة، وبين الأفراد فيما بينهم، حتى غدت فنلندا واحدةً من أكثر المجتمعات استقرارًا وصدقًا في العالم.

الثقة كعمود للنظام العام

وفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لعام 2023، فإن أكثر من 82٪ من الفنلنديين يثقون بمؤسسات دولتهم العامة وهي النسبة الأعلى بين دول المنظمة ¹. هذا يعني أن الغالبية تؤمن بأن الحكومة، والبرلمان، والشرطة، والقضاء يعملون لصالح الشعب لا ضده. هذه الثقة لم تولد بين عشيةٍ وضحاها، بل تراكمت عبر عقودٍ من الإدارة النزيهة والشفافية القانونية. منذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت فنلندا مبدأ “الإدارة المفتوحة” (Avoin hallinto) الذي يسمح للمواطنين بالاطلاع على كل ما يجري في أجهزة الدولة. فالقانون المعروف باسم Julkisuuslaki (قانون الشفافية العامة رقم 621/1999) يضمن حق كل شخص في الوصول إلى الوثائق الرسمية ². أي مواطن يمكنه اليوم مراجعة قرارات الحكومة أو عقود الشراء العامة على الإنترنت خلال دقائق. وقد انعكست هذه الشفافية على السمعة الدولية لفنلندا. إذ تُصنفها منظمة الشفافية الدولية Transparency International (2024) ضمن الدول الثلاث الأولى عالميًا من حيث نزاهة الإدارة العامة ³. ويقول الخبراء إن هذه الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع هي ما يسمح للحكومة بجمع الضرائب المرتفعة دون مقاومة، لأن الناس يدركون أن أموالهم تُدار بعدل.

الثقة في الحياة اليومية

الثقة في فنلندا ليست نظرية، بل ملموسة في تفاصيل الحياة. تجربة أجرتها مجلة Reader’s Digest عام 2022، تضمنت إسقاط محافظ “ضائعة” في شوارع عواصم مختلفة، أظهرت أن سكان هلسنكي أعادوا 11 من أصل 12 محفظة — وهي النسبة الأعلى في العالم . الباحث الفنلندي ماتي كورتتينن (Matti Kortteinen) من جامعة هلسنكي وصف هذه الظاهرة بأنها “الغراء الاجتماعي الذي يربط الناس دون حاجة إلى رقابة” . في بيئة كهذه، لا يحتاج المدير إلى مراقبة موظفيه، ولا يخشى العامل من سوء النية. فالثقة جزء من بنية العمل نفسها، ومن قيم الحياة اليومية التي يتربى عليها الأطفال منذ المدرسة. الثقة لا تصنع فقط الطمأنينة، بل الازدهار أيضًا. تقرير المعهد الحكومي للبحوث الاقتصادية الفنلندي (VATT) يؤكد أن ارتفاع مستوى الثقة يقلل من تكاليف المعاملات التجارية، لأن الأطراف لا تحتاج إلى إجراءات رقابية مكلفة، مما يرفع الإنتاجية ويُسهل ريادة الأعمال .

حتى في النظام المالي، تتمتع فنلندا بمستوى عالٍ من الانضباط والثقة. فوفقًا لبنك فنلندا (Suomen Pankki)، فإن معدلات سداد القروض من بين الأعلى في أوروبا، والقطاع المصرفي يعمل ضمن أكثر الأطر استقرارًا وشفافية في الاتحاد الأوروبي . في التعليم، تحتل الثقة مكانة مركزية. فالمعلمون في فنلندا يتمتعون باستقلاليةٍ كاملة تقريبًا في إدارة المناهج وطرق التدريس. وتشير دراسة OECD Education Review 2023 إلى أن 90٪ من أولياء الأمور الفنلنديين يثقون في معلمي أبنائهم . هذه الثقة تمنح المدرسة بيئةً هادئة تشجع الإبداع، وتُغني العلاقة بين الطلاب والمعلمين بعيدًا عن التلقين. أما الإعلام، فهو أحد أبرز مؤشرات الثقة المؤسسية. تقرير Reuters Institute لعام 2023 يؤكد أن 69٪ من الفنلنديين يثقون بالأخبار التي يقرؤونها، وهي النسبة الأعلى عالميًا . قناة Yle الوطنية تعمل بتمويلٍ عامٍّ مستقل عن السلطة التنفيذية، وتلتزم بمبدأ “خدمة المجتمع لا السلطة”، وهو ما جعلها نموذجًا للإعلام المسؤول. في المجتمع الفنلندي، تُعتبر المشاركة المدنية امتدادًا للثقة. فبحسب هيئة الإحصاء الفنلندية Statistics Finland (2023)، ينتمي أكثر من نصف السكان إلى جمعياتٍ أو منظماتٍ مدنية ¹⁰. هذه الكثافة في الانخراط الاجتماعي تُعزز الروابط بين الأفراد وتخلق إحساسًا بالانتماء المشترك. خلال جائحة كورونا، اختُبرت هذه الثقة بجدية. فقد أظهر بحث المعهد الفنلندي للصحة والرعاية (THL) أن 85٪ من المواطنين التزموا طوعًا بالإرشادات الصحية دون حاجة إلى عقوبات، لأنهم وثقوا بالمؤسسات الرسمية ¹¹. هذه الطاعة الطوعية كانت نتيجة تراكمٍ طويل لثقافة “الدولة التي لا تكذب”. في عالم التكنولوجيا، حافظت فنلندا على ثقتها عبر ما تسميه “الثقة الرقمية” (Digitaalinen luottamus). فكل مواطن يمكنه إدارة معاملاته الرسمية عبر منصة Suomi.fi، التي تستخدم هوية رقمية موحدة بإشراف الهيئة الوطنية للبيانات والسكان (DVV) ¹². تقوم فلسفة البيانات في فنلندا على مبدأ MyData، أي أن المعلومات الشخصية ملك لصاحبها وحده. يستطيع المواطن أن يرى من استخدم بياناته ومتى ولماذا، وهو نظام يرسّخ الثقة بين الأفراد والدولة ¹³.

الثقة كقيمةٍ للمستقبل

ومع ذلك، تعرف فنلندا أن الثقة لا تُورّث بل تُبنى. لذلك أطلقت رئاسة الوزراء الفنلندية (Valtioneuvoston kanslia) برنامجًا وطنيًا بعنوان “Luottamus 2030” لتعزيز الحوار العام ومواجهة الانقسام الاجتماعي ومكافحة التضليل ¹⁴. الهدف هو الحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي يُعدّ جوهر استقرار البلاد. كما قال عالم الاجتماع الفنلندي أنتي كاريستو (Antti Karisto):

“الثقة مثل الهواء، لا نشعر بها إلا عندما تختفي.”

فنلندا تشعر بها يوميًا — في مؤسساتها، ومدارسها، وشوارعها — لأنها تُبنى على قاعدة بسيطة: أن الصدق هو الأصل، وأن الشفافية ليست استثناءً، وأن الإنسان، قبل أي نظام، هو مركز كل شيء.