التعليم
7 دقائق قراءة

التعليم بالإنجليزية في فنلندا خطوة نحو عالمية المدارس

ومن ناحية أكاديمية، يشير باحثون في جامعة هلسنكي إلى أن التعليم بالإنجليزية يُحسِّن أداء الطلاب في المواد العلمية والرياضية، لكنه قد يحدّ من مهاراتهم الكتابية بالفنلندية على المدى البعيد

Aseel AL- Samarli
Aseel AL- Samarli
كاتب المقال
٦ نوفمبر ٢٠٢٥
التعليم بالإنجليزية في فنلندا خطوة نحو عالمية المدارس

في السنوات الأخيرة، بدأت فنلندا، التي لطالما وُصفت بأنها صاحبة أحد أكثر أنظمة التعليم تطورًا في العالم، في إعادة النظر بهدوء في ملامح سياستها التعليمية بما يتناسب مع تحولات المجتمع والديموغرافيا الجديدة. من أبرز هذه التحولات، تزايد عدد المدارس التي بدأت تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة تدريس أساسية في بعض المواد أو في المنهاج بأكمله، وهي خطوة تعكس رؤية أوسع تتجاوز مجرد الانفتاح اللغوي نحو ما يمكن تسميته بعولمة التعليم الفنلندي. هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل من إدراك متنامٍ لدى وزارة التعليم بأن البيئة المدرسية لم تعد محصورة في نطاقها الوطني، وأن التعدد اللغوي والثقافي صار سمة حقيقية للحياة اليومية في المدارس الفنلندية، خصوصًا في المدن الكبرى مثل هلسنكي وإسبو وفانتا، حيث تتواجد جاليات من أكثر من 150 دولة، بينهم نسبة متزايدة من المتحدثين بالعربية. الفكرة التي تقف وراء التوسع في التعليم باللغة الإنجليزية ليست مجرد ترف أكاديمي أو استجابة لضغط العولمة، بل تأتي من واقع اجتماعي معقّد تحاول الدولة التفاعل معه بمرونة. فعدد الطلاب غير الناطقين بالفنلندية أو السويدية ازداد بنسبة ملحوظة خلال العقد الأخير، ووصل وفق إحصاءات وزارة التعليم الفنلندية إلى نحو 9% من مجموع طلاب المدارس الأساسية في عام 2025، بعد أن كان لا يتجاوز 4% قبل عشر سنوات. هؤلاء الطلبة، القادمون من أسر مهاجرة أو لاجئة أو مختلطة الخلفيات، يواجهون صعوبة مزدوجة: فهم مطالبون بتعلم الفنلندية كلغة محلية من جهة، وبمواكبة المناهج العلمية بنفس الكفاءة من جهة أخرى. إدخال اللغة الإنجليزية هنا يُقدَّم كخيار وسيط، لغة يمكن أن تشكل جسرًا بين الطالب ونظام التعليم، خصوصًا أن الإنجليزية باتت لغة مشتركة في بيئات متعددة الثقافات داخل المدارس الفنلندية.

غير أن لهذا الخيار أبعادًا تتجاوز الجانب التربوي إلى ما هو اجتماعي وثقافي. ففنلندا، رغم انفتاحها، تُعرف بحرصها على حماية لغتها وهويتها الوطنية، ولا يزال الجدل قائمًا بين التربويين حول ما إذا كان انتشار المدارس الإنجليزية قد يُضعف من مكانة الفنلندية على المدى الطويل. فهناك من يرى أن الطفل الذي يدرس من الصف الأول حتى الثانوي بالإنجليزية، حتى لو تعلم الفنلندية كلغة ثانية، قد يجد نفسه في الهامش الثقافي لاحقًا، غير قادر على الاندماج الكامل في بيئة العمل الفنلندية التي ما زالت تعتمد الفنلندية في المؤسسات الرسمية والإدارة العامة. وزارة التعليم من جانبها تحاول التوفيق بين الاتجاهين عبر فرض حد أدنى من تدريس اللغة الفنلندية حتى في المدارس الدولية، بحيث لا ينفصل الطالب تمامًا عن السياق اللغوي الوطني. أما بالنسبة للجاليات الأجنبية، وخصوصًا العربية، فقد استُقبلت هذه الخطوة بمزيج من الأمل والتحفظ. فمن جهة، يُنظر إلى التوسع في التعليم بالإنجليزية على أنه فرصة حقيقية للأبناء كي يتمكنوا من متابعة تعليمهم دون عائق لغوي في السنوات الأولى، وخصوصًا للأسر التي وصلت حديثًا إلى فنلندا. فإمكانية التسجيل في مدارس تعتمد الإنجليزية تتيح لهم الانتقال السلس دون فقدان عام أو أكثر في التعلم، وهو أمر بالغ الأهمية لعائلات كانت تتنقل بين بلدان مختلفة قبل الاستقرار في فنلندا. ومن جهة أخرى، يخشى البعض أن هذا الاتجاه قد يخلق فجوة اجتماعية جديدة، حيث تكون المدارس الإنجليزية أكثر جذبًا للأسر المتعلمة والمقتدرة ماديًا، ما يجعلها رمزا غير معلن للتميّز الطبقي، في حين تبقى المدارس الفنلندية العادية أقل جاذبية للأجانب.

ومن ناحية أكاديمية، يشير باحثون في جامعة هلسنكي إلى أن التعليم بالإنجليزية يُحسِّن أداء الطلاب في المواد العلمية والرياضية، لكنه قد يحدّ من مهاراتهم الكتابية بالفنلندية على المدى البعيد. في دراسة أُجريت عام 2024، وُجد أن الطلبة الذين تلقوا تعليمهم الأساسي بالإنجليزية كانوا أكثر استعدادًا للالتحاق بالجامعات الدولية، لكنهم واجهوا صعوبات في التفاعل الإداري المحلي بعد التخرج، سواء في التقديم للوظائف الحكومية أو في كتابة المستندات الرسمية. ومن هذا المنظور، تحاول السلطات تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على الإنجليزية وحماية الوظيفة الاجتماعية للغة الفنلندية. المدارس التي تتبنى المنهاج الإنجليزي في فنلندا اليوم ليست قليلة، إذ تجاوز عددها خمسين مدرسة موزعة بين العاصمة والمناطق الجنوبية. بعض هذه المدارس يتبع نظام التعليم الفنلندي ولكنه يقدم المواد بالإنجليزية، وبعضها الآخر يتبع برامج دولية مثل الـIB أو كامبريدج. الطلب على المقاعد في هذه المدارس في ازدياد، ما دفع البلديات إلى التفكير في تحويل بعض المدارس العامة إلى نظام ثنائي اللغة. بلدية هلسنكي أعلنت مؤخرًا أنها ستزيد من عدد الفصول التي تقدم التعليم بالإنجليزية بنسبة 20% خلال العامين القادمين. هذا القرار يعكس أيضًا التزام الحكومة الفنلندية بتقديم خيارات متعددة للأسر المهاجرة، في إطار سياسة “الاندماج الشامل” التي تُعتبر أحد المحاور الأساسية في برنامج الحكومة الحالي. ومع أن الهدف المعلن من هذه السياسة هو تعزيز التنوع وتحسين تكافؤ الفرص، إلا أن بعض النقاد يرون أنها تحمل خطر “تجزئة المدرسة الفنلندية” التي طالما كانت رمزًا للمساواة الاجتماعية. فوجود مدارس تقدم التعليم بلغات مختلفة قد يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي الذي تمكنت فنلندا لعقود من تجاوزه عبر نظامها الموحد. هذا النقاش لم يعد أكاديميًا بحتًا، بل أصبح حاضرًا في النقاشات العامة، حيث يرى البعض أن اعتماد الإنجليزية قد يجعل اللغة الفنلندية تبدو أقل أهمية بين الجيل الجديد من المهاجرين، ما يؤثر على تماسك المجتمع مستقبلاً. بالمقابل، يرى مؤيدو السياسة الجديدة أن الانغلاق اللغوي لن يخدم أحدًا، وأن العالم الذي نعيش فيه يحتاج إلى مواطنين قادرين على التفكير والتفاعل بلغات متعددة.

من زاوية الجاليات العربية، التعليم بالإنجليزية في فنلندا يمثل أيضًا نقلة نوعية في مفهوم الاندماج. فالكثير من الأسر العربية، التي كانت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس الفنلندية بسبب حاجز اللغة، بدأت ترى في المدارس الإنجليزية خيارًا واقعيًا يمنح أطفالها انطلاقة أسرع. اللغة الإنجليزية، التي يتقنها كثير من هؤلاء الآباء، تتيح تواصلًا أفضل مع المعلمين وإدارة المدرسة. كما أنها تقلل من التوتر الثقافي الذي قد يعيشه الطفل في بيئة مختلفة تمامًا عن لغته الأصلية. ومع ذلك، لا تزال هناك أصوات في المجتمع العربي تدعو إلى عدم إهمال تعلم الفنلندية، لأن اللغة تبقى مفتاح الاندماج الحقيقي في المجتمع، والعمل، والخدمات. اقتصاديًا، فتح التعليم بالإنجليزية الباب أمام فرص جديدة في سوق العمل التعليمي نفسه، إذ ازدادت الحاجة إلى معلمين يتقنون الإنجليزية وقادرين على دمج المناهج الفنلندية بالعالمية. كثير من المعلمين الأجانب، بينهم عرب، وجدوا في هذا المجال فرصًا جديدة للتوظيف. وتعمل وزارة التعليم على اعتماد شهادات معلمين من خارج الاتحاد الأوروبي لتلبية الطلب المتزايد، شريطة خضوعهم لدورات تربوية تكميلية في الجامعات الفنلندية. هذه الديناميكية الجديدة تسهم أيضًا في تدويل التعليم الفنلندي نفسه، بحيث لا يعود الطالب الأجنبي وحده المستفيد من الانفتاح، بل يتحول المعلم الأجنبي إلى عنصر فاعل في نقل الخبرات والثقافات داخل المدرسة.  إن التحول نحو التعليم بالإنجليزية في فنلندا ليس مجرد سياسة لغوية بل انعكاس لرؤية استراتيجية أوسع تسعى إلى إعداد جيل قادر على العمل والتفاعل في بيئة متعددة الثقافات دون فقدان جذوره المحلية. التجربة الفنلندية في هذا السياق تمثل محاولة متوازنة للمواءمة بين الخصوصية والانفتاح، بين حماية الهوية والانخراط في العالم. لكن نجاح هذه التجربة سيعتمد على قدرتها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين اللغتين: الفنلندية كلغة انتماء وهوية، والإنجليزية كلغة تواصل وفرصة. ومع استمرار تطور هذه السياسة، يبدو أن المدارس الفنلندية تمضي بخطى ثابتة نحو العالمية، ولكن بوعيٍ فنلنديٍّ يحرص ألا يُفرِّط في ما ميّزه يومًا: المساواة، العدالة، والتعليم للجميع.

المصادر:
وزارة التعليم والثقافة الفنلندية (Opetus- ja kulttuuriministeriö)، تقرير المدارس ثنائية اللغة 2024.
هيئة الإحصاء الفنلندية (Tilastokeskus)، بيانات التعليم الأساسي 2025.
موقع Yle الإخباري، تحديثات التعليم واللغات الأجنبية في المدارس الفنلندية، نوفمبر 2025.