العائلة في فنلندا
5 دقائق قراءة

إصلاح قانون حماية الطفل في فنلندا بين توسيع صلاحيات الدولة وتعزيز الأمان العائلي

المقترح الجديد يركّز على تعزيز حماية الأطفال الموجودين في الرعاية المؤقتة أو "الإيواء الاجتماعي" (sijaishuolto)، وخاصة في ما يُعرف بحالات "الغياب غير المصرّح به" أو ما يُسمّى بالعامية الفنلندية hatka

Sultan Murshedi
Sultan Murshedi
كاتب المقال
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥
إصلاح قانون حماية الطفل في فنلندا بين توسيع صلاحيات الدولة وتعزيز الأمان العائلي

ناقش البرلمان الفنلندي في أكتوبر 2025 مشروع تعديلٍ شامل لقانون حماية الطفل (Lastensuojelulaki)، في خطوةٍ تهدف إلى تحديث الإطار التشريعي الذي ينظّم رعاية الأطفال وحمايتهم بعد أكثر من عقدٍ من ثبات القانون القديم دون تغييراتٍ كبيرة. وقد أكدت النائبة آنه رينتامكي من حزب الفنلنديين (Perussuomalaiset) خلال الجلسة أن هذا التحديث بات ضرورةً ملحّة، مشيدةً بوزيرة الشؤون الاجتماعية والصحة كايا يوسو (Kaija Juuso) على طرحها للمقترح. وقالت رينتامكي إن «مجتمعنا تغيّر جذريًا، وأنماط الأسرة والتربية والأزمات الاجتماعية تطورت بطريقة تجعل التشريعات القديمة غير كافية لحماية الأطفال في زمنٍ تزداد فيه التحديات النفسية والسلوكية».

المقترح الجديد يركّز على تعزيز حماية الأطفال الموجودين في الرعاية المؤقتة أو "الإيواء الاجتماعي" (sijaishuolto)، وخاصة في ما يُعرف بحالات "الغياب غير المصرّح به" أو ما يُسمّى بالعامية الفنلندية hatka، أي ترك دار الرعاية دون إذن. وتشير بيانات عام 2024 إلى أن ما بين 7 و15٪ من الأطفال في الرعاية يغادرون مؤسساتهم دون إشراف، ما يجعلهم عرضةً لمخاطر العنف والاستغلال والمخدرات وحتى الجرائم الجنسية. وتقول رينتامكي بأسفٍ واضح: «نقرأ كثيرًا في الصحف عن أطفالٍ يختفون من دور الرعاية ويصبحون فريسةً سهلة للمجرمين، وهذه الحوادث تخلّف صدماتٍ نفسية ومآسي تمتد مدى الحياة». وترى النائبة أن المشكلة ليست فقط في ضعف المتابعة، بل أيضًا في محدودية الصلاحيات القانونية للسلطات، إذ لا يمكن حاليًا التدخل أو تتبع الطفل إلا ضمن إجراءاتٍ بطيئة ومعقدة لا تتناسب مع خطورة الموقف. ولهذا يقترح التعديل الجديد توسيع صلاحيات الموظفين والسلطات المحلية في حالات الطوارئ، بما في ذلك إمكانية تحديد موقع هاتف الطفل بسرعةٍ عبر مركز الطوارئ الوطني إذا كانت هناك مخاوف على سلامته أو مؤشرات على استخدامه للمخدرات أو تورطه في سلوكٍ إجرامي. ووفق النص المقترح، يمكن لسلطات الرفاه الاجتماعي أن تطلب تحديد الموقع كخدمةٍ عاجلة دون الحاجة إلى قرارٍ كتابي رسمي، ما يمكّن من التدخل الفوري. كذلك يمنح القانون صلاحياتٍ موسّعة في إجراءات التوقيف المؤقت أو التفتيش الشخصي واستخدام القوة عند الضرورة في المؤسسات المغلقة، بهدف منع الأذى قبل وقوعه. وتوضح رينتامكي أن الهدف ليس معاقبة القاصرين بل حمايتهم: «الفشل الأكبر لدولة الرفاه هو حين تعجز عن حماية أضعف من فيها».

إلى جانب ذلك، يُدخل المشروع مفهومًا جديدًا في الخدمات الاجتماعية هو "الرعاية العلاجية المغلقة" (kuntouttava suljettu laitospalvelu)، وهي وحدة مخصصة للأطفال فوق الثانية عشرة ممّن يعانون من اضطراباتٍ سلوكية خطيرة ويشكلون خطرًا على أنفسهم أو على الآخرين. هذه الوحدات، التي توصف بأنها مزيج بين العلاج النفسي والرعاية الاجتماعية، تُعتبر بديلاً عن الحلول العقابية التقليدية، وتهدف إلى تأهيل الشباب من خلال بيئةٍ آمنة ومنضبطة. كما ينص القانون على إنشاء ما يسمى بـ"الوحدات الهجينة للطب النفسي الخاص بالأطفال" (lastensuojelupsykiatrian hybridiyksiköt)، التي تجمع بين خبرة الطب النفسي والعلاج الاجتماعي تحت مظلةٍ واحدة لتقليص الفجوة بين العمل الاجتماعي والرعاية الصحية النفسية. وترى رينتامكي أن هذا التوجه لا يقتصر على حماية الطفل من المخاطر الآنية، بل يعيد التفكير في مسؤولية المجتمع عن تربية القاصرين حين تعجز الأسرة. وقالت في خطابها: «لقد رأيت مواقف يكون فيها أول شخصٍ يضع حدودًا للطفل هو الشرطي، وهذا دليل على غياب الأبوة والأمومة المسؤولة». وأضافت: «حين لا يستطيع الوالدان وضع الحدود، يجب أن تمتلك الدولة الأدوات اللازمة لتفعل ذلك. فالأطفال يحتاجون إلى ضوابطٍ بقدر ما يحتاجون إلى الرعاية». واستحضرت في هذا السياق شعار حزبها التقليدي «حتى الأطفال يحتاجون إلى حدود». وفي خلفية هذا النقاش القانوني، يتجلّى قلقٌ أعمق في فنلندا من تزايد ظواهر العنف والانحراف بين الشباب، التي رُبطت في بعض الدراسات بتراجع الرقابة الأسرية وصعوبة دمج المراهقين في نظام التعليم والعمل. وتشير تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة إلى أن حوادث العنف بين القُصّر ارتفعت بنسبة ملحوظة منذ عام 2020، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول دور الدولة في التربية بعد عقودٍ من التركيز على حرية الطفل واستقلاله. ويبدو أن القانون الجديد يحاول إيجاد توازنٍ بين حماية الحرية الفردية وضمان الأمن العام.

كما يتضمن المشروع بندًا حول توضيح الإجراءات المتعلقة بالإيداع القسري (huostaanotto) والتعاون بين الجهات المعنية، بحيث تُوحّد المسؤوليات بين الشرطة، والسلطات الصحية، وهيئات الرعاية الاجتماعية. فحالات الطوارئ – بحسب نص المقترح – تتطلب سرعةً في التواصل بين الأجهزة، وهو ما لم يكن متاحًا في البنية القانونية السابقة التي فُسّرت فيها الصلاحيات بشكلٍ ضيق. وتقول رينتامكي إن «المجتمع تغيّر، والتحديات الأمنية والاجتماعية أصبحت متشابكة، ولا يمكن التعامل مع حماية الطفل بالقوانين القديمة نفسها». ورغم أن أغلب الكتل البرلمانية أبدت دعمًا مبدئيًا للقانون الجديد، إلا أن بعض منظمات حقوق الطفل أعربت عن مخاوفها من توسيع صلاحيات التوقيف والمراقبة دون رقابةٍ قضائية كافية. وتخشى هذه المنظمات أن تؤدي الصلاحيات الجديدة إلى وصم بعض القاصرين الذين يعانون من مشاكل نفسية أو أسرية بدلاً من علاجهم. وفي المقابل، يؤكد أنصار المشروع أن النصوص الجديدة تُقيّد استخدام هذه الصلاحيات بظروفٍ محددة، وتُلزم بتوثيق كل إجراءٍ ومراجعته لاحقًا، مما يضمن التوازن بين الحماية والحقوق الفردية. من وجهة نظرٍ أوسع، يُمكن اعتبار تعديل قانون حماية الطفل انعكاسًا لتحوّلٍ في الفكر الاجتماعي الفنلندي، الذي يحاول الموازنة بين قيم الحرية الشخصية والمسؤولية الجماعية. فبينما كانت العقود الماضية تُركّز على الاستقلال الفردي وحقّ الطفل في تقرير مصيره، تأتي الإصلاحات الجديدة لتذكّر بأن الرعاية أحيانًا تعني التدخل، وأن حماية الطفل قد تستدعي اتخاذ قراراتٍ لا يفهمها أو يقبلها في لحظتها. وقد لخّصت رينتامكي هذه الفكرة بعبارةٍ لاقت اهتمامًا واسعًا: «الطفل لا يفهم دائمًا ما هو الأفضل له». بهذا القانون، تسعى فنلندا إلى ترميم شبكة الأمان الاجتماعي من جديد بعد سنواتٍ من الجدل حول قدرتها على حماية أكثر الفئات هشاشة. فالدولة التي تُعدّ من أكثر دول العالم التزامًا بحقوق الإنسان لا ترى في تشديد الإجراءات تناقضًا مع هذه القيم، بل ضمانًا لاستمرارها في واقعٍ اجتماعي يزداد تعقيدًا. فحماية الطفولة، كما تقول فلسفة الرفاه الفنلندية، ليست شعورًا بالشفقة، بل مسؤوليةٌ مؤسساتية تقتضي أحيانًا استخدام القوة في سبيل الرحمة.