منذ مطلع عام 2025 دخلت فنلندا مرحلة جديدة من التحول في نظام الرفاه الاجتماعي، بعد أن أقرت حكومة رئيس الوزراء بيتري أوربو (Petteri Orpo) سلسلة من الإصلاحات المثيرة للجدل التي طالت أهم ركائز منظومة الدعم الاجتماعي في البلاد. هذه الإصلاحات، التي تهدف حسب الحكومة إلى “تحفيز العمل وتقليل الاعتماد على الإعانات”، أثارت نقاشًا واسعًا في البرلمان وبين المواطنين، خصوصًا بعد أن بدأت آثارها المباشرة تظهر على فئات مختلفة من المجتمع، من بينها الأسر ذات الدخل المحدود والعاطلون عن العمل والمهاجرون الذين يعتمدون على خدمات التوطين والدعم المعيشي خلال السنوات الأولى من إقامتهم. تستند رؤية الحكومة إلى فكرة أن النظام الحالي، رغم سخائه، أصبح مكلفًا وغير مستدام على المدى الطويل. فبحسب وزارة المالية، تجاوزت نفقات الدعم الاجتماعي 55 مليار يورو سنويًا، وهو ما يعادل أكثر من ربع ميزانية الدولة. وترى الحكومة أن استمرار الوضع على هذا النحو يهدد استقرار الاقتصاد الفنلندي الذي يعاني أصلًا من شيخوخة السكان وتباطؤ الإنتاجية. ولهذا، فقد اتخذت خطوات لتقليص بعض الإعانات وتحفيز من يتلقونها على العودة إلى سوق العمل في أسرع وقت ممكن. من أبرز التغييرات التي بدأت مطلع عام 2025، تعديل نظام دعم البطالة. فبدلًا من السماح للعاطلين بتلقي الإعانة لفترة تصل إلى 400 يوم كما في السابق، أصبحت المدة القصوى 300 يوم فقط، مع إلزام المستفيدين بإثبات نشاطهم في البحث عن عمل شهريًا. كما فُرضت عقوبات تدريجية على من يرفضون عروض العمل أو التدريب المهني. الهدف المعلن هو رفع نسبة التوظيف الوطني إلى 78% خلال عامين، لكن النقابات العمالية حذرت من أن هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الفقر بين الفئات الأقل حظًا، خصوصًا في المناطق التي تعاني من ضعف فرص العمل.
أما إعانة الإسكان (asumistuki) فقد خضعت لتعديلات كبيرة كذلك، إذ تم ربطها بشكل أكبر بمستوى الدخل الفعلي للأسرة. وأدى ذلك إلى انخفاض المخصصات الشهرية لآلاف الأسر في المدن الكبرى مثل هلسنكي وإسبو، حيث الإيجارات مرتفعة جدًا. وفق تقديرات مؤسسة Kela، التي تدير أنظمة الضمان الاجتماعي، فإن ما يقارب 100 ألف مستفيد خسروا جزءًا من إعاناتهم منذ بداية الإصلاح. وتبرر الحكومة القرار بأنه يهدف إلى كبح تضخم أسعار الإيجار، إذ كانت الإعانات السخية أحد الأسباب غير المباشرة لارتفاع الطلب في سوق السكن. في الوقت نفسه، تم تعديل نظام المساعدات الأساسية (toimeentulotuki) بحيث لا يُمنح إلا بعد التحقق الدقيق من جميع مصادر الدخل، بما فيها المساعدات البلدية أو الدخل الجزئي من الأعمال الحرة. هذا الإجراء أثار قلقًا بين الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني التي اعتبرت أن التشديد الإداري الجديد جعل الحصول على الدعم أكثر تعقيدًا وبطيئًا، مما يعرض بعض الأسر لخطر فقدان السكن أو تراكم الديون. تأثير هذه السياسات لم يقتصر على المواطنين الفنلنديين فحسب، بل شمل أيضًا الناطقين بالعربية والمهاجرين الجدد الذين يعتمدون على دعم الدولة في مرحلة التوطين الأولى. فالكثير من هؤلاء يحصلون على إعانات البطالة والإسكان خلال فترة تعلم اللغة أو التدريب المهني. ومع تقليص المدد والمبالغ، بات عليهم البحث عن وظائف بسرعة أكبر، وغالبًا قبل أن يتمكنوا من اكتساب المهارات اللغوية الكافية. في تصريحات نقلتها هيئة الإذاعة الفنلندية Yle، عبّر عدد من ممثلي المنظمات المساندة للمهاجرين عن خشيتهم من أن تؤدي هذه التغييرات إلى “اندماج ناقص” أو حتى انسحاب بعض المهاجرين من سوق العمل النظامي نحو الاقتصاد غير الرسمي.
الحكومة من جانبها تؤكد أن الإصلاحات لا تستهدف المهاجرين أو الفئات الضعيفة تحديدًا، بل تهدف إلى “إعادة هيكلة نظام الرفاه بطريقة عادلة”. فقد أُطلقت برامج موازية لدعم إعادة التأهيل والتدريب، مثل مشروع “TyöPolku” (مسار العمل) الذي يهدف إلى تدريب 20 ألف شخص سنويًا في قطاعات تحتاج إلى يد عاملة مثل الرعاية الصحية والبناء والتقنية. وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة إن الإصلاحات ترافقها إجراءات لتعزيز خدمات التوظيف وتبسيط البيروقراطية بين مؤسسات الدولة والبلديات. لكن النقاش في البرلمان الفنلندي لا يزال محتدمًا. فالمعارضة، وعلى رأسها حزب اليسار (Vasemmistoliitto) وحزب الخضر (Vihreät)، ترى أن الحكومة تميل إلى تحميل الأعباء للفقراء بينما تمنح الطبقة الميسورة تخفيضات ضريبية. واعتبر زعيم حزب اليسار أنّ “الحكومة تتحدث عن الحوافز للعمل لكنها تنسى الحوافز للكرامة”، في إشارة إلى أن الإصلاحات قد تدفع البعض إلى قبول أعمال مؤقتة منخفضة الأجر خوفًا من فقدان الدعم الأساسي. من جهة أخرى، تدافع أحزاب اليمين عن قراراتها بقولها إن “العمل هو أفضل أشكال الرفاه”، وأن النظام السابق كان يخلق “فخًا للمساعدات” يجعل الناس يترددون في دخول سوق العمل خشية خسارة الإعانات. في البلديات، انعكست هذه التغييرات بوضوح على إدارات الخدمات الاجتماعية، حيث ازدادت طلبات الاستشارات والإعانة الطارئة. بلدية فانتا أعلنت في تقريرها نصف السنوي أن عدد الأسر التي طلبت مساعدة عاجلة لسداد الإيجار ارتفع بنسبة 15% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس هشاشة الوضع المالي للكثير من العائلات بعد تطبيق التعديلات الجديدة.
أما من الناحية الاقتصادية الكلية، فقد أشارت تقارير وزارة المالية إلى انخفاض طفيف في حجم الإنفاق الاجتماعي خلال النصف الأول من عام 2025، لكن الخبراء حذروا من أن وفورات الموازنة قصيرة الأجل قد تتحول إلى تكاليف طويلة الأمد إذا زادت معدلات الفقر أو انخفضت المشاركة في التعليم والتدريب المهني. ومع أن الحكومة تصر على أن هذه الإصلاحات “ضرورة مؤلمة من أجل استدامة الدولة”، فإن الرأي العام الفنلندي ما زال منقسمًا حيالها. استطلاع للرأي أجرته صحيفة Helsingin Sanomat في أغسطس 2025 أظهر أن 49% من الفنلنديين يعتقدون أن الإصلاحات كانت ضرورية، بينما يرى 44% أنها غير عادلة للفئات الضعيفة. ويعكس هذا الانقسام جوهر النقاش الفنلندي القديم بين نموذج “دولة الرفاه الشاملة” ونموذج “الدولة المحفزة للعمل”. من الواضح أن عام 2025 يمثل نقطة تحوّل في مسار السياسة الاجتماعية في فنلندا. فبينما تسعى الحكومة إلى تحقيق التوازن المالي، فإنها تخاطر بإعادة تعريف مفهوم العدالة الاجتماعية الذي تميزت به البلاد لعقود. وبالنسبة للناطقين بالعربية والمهاجرين الجدد، فإن هذه التحولات تضعهم أمام تحديات مضاعفة: الاندماج السريع في سوق العمل، والتكيف مع بيئة قانونية واقتصادية تتغير بسرعة. ومع استمرار النقاش حول مستقبل نظام الرفاه، يبدو أن فنلندا تدخل مرحلة جديدة تُختبر فيها قدرتها على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية التي لطالما شكّلت حجر الأساس لهويتها الوطنية.
المصادر:
وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة الفنلندية – تقرير الإصلاحات الاجتماعية 2025.
مؤسسة Kela – بيانات دعم البطالة والإسكان 2025.
هيئة الإذاعة الفنلندية Yle – تقرير حول إصلاحات الرفاه، 15 مارس 2025.
صحيفة Helsingin Sanomat – استطلاع الرأي حول سياسات الحكومة، أغسطس 2025.
